تعذيب التاريخ وإشكالية يوسف زيدان

ahmad iskandar new ok

احمد اسكندر

في خضم المعارك الفكرية والسياسية داخل المجتمعات أو فيما بينها يظل التاريخ هو ساحة النزال الابدية حول الافكار والمعتقدات الاجتماعية والانسانية .لكن السؤال ؛كيف إستوعب التاريخ هذا الكم من الصفحات في التأويل والتقييم والاحكام ربما كانت أوسع من التي خصصت لسرد وقائعه؟

الاجابة عند المجتمعات نفسها ؛فقد إنشغلت كثيرا بالماضي ،ليس نوعا من الهروب أو إفتقار لمقومات الحاضر ، بل لترى حاضرها ومستقبلها من خلاله.في الماضي تتشكل السردية الوطنية “الناراتيف” التي هى  هوية الاجتماع بين الافراد وحقيقته؛ من الماضي تتعلم الجماعات “الصنع″ و”المستقبل”. حتى المجتمعات الاولية التى لم يتشكّل لها تاريخ ،أوجدته وأصطنعته فى أساطيرها لتجد مبررا للعيش والاجتماع.في الماضي توجد الذاكرة ومعالجها .

ولو علم فرانسيس فوكوياما أن نبؤته السعيدة الخاصة بـ”نهاية التاريخ” كانت مدعاة لمزيد من النبش فى التاريخ وماضي الحضارات لتردد فى إصدار رؤيته الألفية السعيدة؛ وليس أصدق من ذلك إعلان مواطنه صمويل هنتنجتون نبؤته حول الصراع فى الالفية الجديدة (صراع الحضارات) التي هى بالحقيقة مستندة الى صراعات التواريخ الخاصة بالحضارات القائمة.

ومع هذا يستوعب التاريخ ايضا من يرفضونه ويصفّون معه حساباتهم المعاصرة .الموجة الثقافية التي إرتأت أن هجاء التاريخ –وربما نسفه- شرطا قويما نحو المستقبل خاصة فى مجتمعاتنا التى تحتم عليها النظر غربا لترى الشمس؛ هذه الموجة ليست حديثة عصرنا وقد تواجدت منذ القرن التاسع عشر عندما حدث الاحتكاك الحضاري بين العرب والغرب، وقد نشطت قويا فى بدايات القرن العشرين مع كتابات سلامة موسى وفرح انطون ولطفي السيد والجميّل وليس اخيرا بكتابات ميشيل عفلق وآخرين ؛وان وقتها كانت تمتلك هذه النخب طابع راديكالى نقدي حول النهضة وتقديم بدائل حضارية حتى وان كانت تغريبية فى جوهرها .هذه الميزة تغيب اليوم عن أطروحات اصحاب نظرية التاريخ المهجو.

ولعل ما أثاره مؤخرا الدكتور يوسف زيدان من زوبعات هي بالاصل حول أحداث وشخصيات بعيدة عن أى تنظير فكري جاد وموضوعي؛لكن الدكتور زيدان علق على زوبعاته قلائلا : إذا كان إلقاء بعض “الحصوات” في البحيرة الراكدة ، العطنة ، يُحدث هذه الحركة و هذا الفزع . . فماذا لو ألقينا أحجاراً !

الدكتور زيدان عندما توجه بالنقد اللاذع والشتّام حول قضاياه الاخيرة كان يعرف ما يقول جيدا وما سيثيره لاحقا فهو يمارس نوع نوع القصدية المبنية على التورية ؛الدكتور إختار ثلاث قضايا على نحو متفرق ومتباعد الاحداث والازمنة لكنهم يتجمعون برابط واحد يخفيه الدكتور زيدان عن متابعية وملاحقيه  ؛اولا قضية بيت المقدس الذي لا يملك المسلمون فيه اى حقوق تاريخية ،ثانيا هجائه وشتمه لصلاح الدين الايوبي ،ثالثا قضية احمد عرابي وتسببه فى سقوط مصر…الثلاثة قضايا متصلة جميعا فى الذهن الجمعي والشعبي بفكرة المقاومة ضد قوى الشر الطامعة التى إحتلت ديارنا عنوة.اذن ما العطن من وجهة نظر الدكتور زيدان ؟هى هو فكرة المقاومة ؟ الرجل مارس إنتقائية صريحة فى تصريحاته ،حيث إختص ثلاثة رموز تاريخية دون سواهم لا لشيء سوى إثبات فكرة تعسفية خطرت بباله أو يريد إثباتها تعسفيا ،أو أنه فقط يريد من هذه الاستعارة التاريخية شتم وتوبيخ ناس أحياء عبر رموزهم ومعتقداتهم !..لعله خير

إستدعاء التاريخ على هذا النحو الانتقائي لإستثماره معاصرا خارج تماما عن كل قواعد الحيادية والموضوعية تجاه هذه الشخصيات والرموز (وان كنا لا نعفيها من النقد واعادة النظر)؛ لكن الحكم عليها بأحكام العصر الحالي دون قراءة التاريخ فى التاريخ فهذه جناية أدبية على طريقة “بروكوست” قاطع الطريق الشهير فى الاسطورة الاغريقية الذى كان يعذب ضحاياه على سرير بحيث لو زاد طول الضحية عن مقياس السرير بتر أطرافها ولو نقصت قام بمطها.يكفي ذهولا-وربما كوميديا- انه قام بتحميل عرابي فقط مسئولية احتلال الانجليز لمصر !! نحن أمام محاولة تقويل وإجبار الشخصيات (الضحايا) على الاعتراف بمالم تقترفه.

لسنا بصدد تفنيد والرد على ما أثاره الدكتور زيدان ؛فطريقة عرضه الانتقائية كفيلة بنسف مقولاته واستنتاجاته؛ لكن تصفية الحساب مع التاريخ كشرط لحل مشاكل الحاضر تبدو فكرة عبثية وجديرة بأن، تأخذنا قرون نحو الدماء ،أوروبا بعد عقود وقرون من الدماء بين أنصار القديم والجديد قررت دفن الماضي والتصالح معه وإستخلاص الدورس وهي متصالحة معه.وخطورة هذه المحاولات التعسفية على سلامة المجتمعات انها تتجه نحو “الذاكرة” و”المبرر” التى ذكرتها آنفا ،خاصة عندما تكون المحاولات لغرض التفكيك والهدم دون توفر بديل هوياتي أو ايدلوجي وإلا فسيُحكَم علينا بالطرد من التاريخ والذي سيتبعه بالضرورة طرد من الجغرافيا ايضا.

ومن سوء حظ الدكتور زيدان وربنا من حسن حظنا، أنه لا يملك أحجارا ثقيلة ليلقيها –كما يدعي-،في الثلاث مرات لم يملك سوى حصوات يقذفها من بعيد ويرحل ؛وتذكرنا حصواه تلك بحدث مشابه عام 1999 عندما أصدر محمد سعيد العشماوي كتابه –الحصوي أيضا- ” مصر والحملة الفرنسية” وذلك فى أوج أزمة الاحتفال بالحملة ،يسرد فيه الكاتب رواية أخرى ومخالفة حول الحملة الفرنسية حيث :يرحب المصريون بالغزاة الفاتحين وأن صناع ثورتي القاهرة الاولى والثانية هم من أفسدوا التعايش السلمي بين المصريين والغزاة منهيا حديثه بشماتة مريبة !.وطريقة تناول العشماوي للقضية من الناحية البحثية والعلمية يبدو مضحكا مبكيا ؛فقد إستند فى كتابه على رواية وحيدة فقط للجبرتي دون النظر للروايات الاخرى حتى روايات الجبرتي الاخرى حول الحملة ايضا ! لماذ فعل ذلك؟ فعل ذلك ليثبت صدق وجهته الايدلوجية نحو التغريب ،فقام بلوي عنق التاريخ ليثبت صحة فرضيته التى يريد اسقاطها على التاريخ ويفسره بها ، لا العكس كما يجب.قد فسر أحد المعلقين على هذا الامر بأنه بيعٌ للتاريخ فى أسواق النخاسة.

الملفت أن الدكتور زيدان لو أنه أطلق قذائفه من خلال منبر ثقافي أو أكاديمي لتغيرت النظرة وردود الأفعال وربما تمهلت ؛لكنه إختار منصات إعلامية تجارية ،لسان حال النظام السياسي فى مصر،فهو يعلم أنه سيطلق منها قذائفه دون مقاومة … فهو يتكلم في/عبر الهواء !

كاتب مصري

facebook.com/ahmed.m.alexander