تركيا بين صورتي السيد خامنئي في كركوك وعبدالله أوجلان في الرقة وسيناريو إعادة موقفها من قضية كردستان العراق

omar-alradad-new (1).jpg666

عمر الرداد

تتسارع التطورات على الأرض في سوريا بعد انتصار قوات سوريا الديمقراطية على داعش في الرقة، ورفع صورة رمز الأكراد المعاصر عبدالله أوجلان ، القابع في السجون التركية، فيما أسهم انسحاب البيشمركة الكردية ،من كركوك في العراق إمام الحشد الشعبي العراقي ” النسخة العراقية من الحرس الثوري الإيراني” بالتزامن مع انتصارات “قسد” في الرقة ، انتكاسة للإستراتيجية التركية في العراق وسوريا ، حيث التحالف التركي الناشئ مع إيران على خلفية القواسم المشتركة معها تجاه القضية الكردية ، وضربة جديدة للعلاقات الإستراتيجية مع أمريكا على خلفية الدعم الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية في سوريا وإسناد مهمة هزيمة داعش لها .

ربما كانت تطورات الرقة معروفة سلفا ، خاصة بالنسبة لتركيا التي طالما كانت تفاصيل الدعم الأمريكي لأكراد سوريا سببا في الخلافات بين الجانبين ، خاصة وان تركيا لم تحصل على تضمينات مؤكدة من الأمريكان حول الحل المستقبلي في سوريا ، وضمانات ان لاتكون هناك دولة كردية في سوريا  ولا في العراق، لذا تلتقي تركيا مع إيران اليوم في مقولة ان الحل النهائي في العراق وسوريا لن يكون إلا باستمرار وحدة العراق ووحدة سوريا ، رغم خلافات أنقرة مع السلطات في بغداد ودمشق ،وهو ما يعبر عن حالة دفاعية إيرانية تركية مشتركة، فرضها احتمال نشوء دولة كردية ، رغم التباينات الكثيرة بينهما.

تطورات ما بعد الاستفتاء الكردي في العراق،وتحديدا انسحاب التشكيلات العسكرية التابعة للاتحاد الكردستاني ( الطالباني)من كركوك ، بترتيب مع إيران ، اضعف موقف تركيا وحليفها (المتمرد عليها) مسعود برزاني، واحدث صدعا غير معلن حتى الآن بين تركيا وإيران ،اذ يرجح ان تركيا تحالفت مع إيران ضد إقامة دولية كردية فقط ،وليس تسليم مناطق متنازع عليها لإيران بطريقة غير مباشرة ،ترفع فيها صور السيد خامنئي، بما يفضي لإضعاف تركيا بالعراق ، رغم أن إستراتيجية تركيا بالعراق مرتبطة أساسا بالقضية الكردية وتواجد حزب العمال الكردستاني التركي في شمال العراق، وتطلعات تركيا لدور إقليمي .

تطورات كركوك من المرجح ان تدفع القيادة التركية لإعادة النظر بتحالفها(تفاهمها) الاستراتيجي مع إيران ، وربما تذهب باتجاه استمرار التفاهم الهش مع إيران في سوريا ، رغم ما يتردد إن دخول إيران لكركوك كان بالتوازي مع دخول تركيا إلى ادلب ، خاصة وان التحالف التركي الإيراني العراقي ضد الاستفتاء الكردي فرضه تسارع إيقاع الاستفتاء، وفشل رهانات وتقديرات تركية بان البرزاني(حليفها) لن يقدم على الاستفتاء، غير ان تطورات كركوك في بعدها المرتبط بعلاقات تركيا وإيران، ربما يدفع تركيا لإعادة التحالف مع حليفها الجريح البرزاني. وربما أنضجت التطورات وخاصة (الخيانة)الكردية الى جانب عوامل أخرى مبررات لبرزاني لكي يسوق انه تم إفشال الحلم الكردي من قبل الاتحاد الكردستاني، وربما يضمن خروجا أمنا بتجميد الانفصال مع الاحتفاظ بنتائج الاستفتاء ، وتحالفه مع تركيا سيقوي أوراقه بأية عملية تفاوض مستقبلية مع بغداد .

هذا السيناريو أي إعادة التقارب بين تركيا وبرزاني تؤيده جملة أسباب وهي  ، أولا : الاستدارات التركية وانقلاباتها على تحالفاتها ، مهما بدت وثيقة، في إطار براغماتية تبحث بالمجهر عن مصالح تركيا ، حتى وان تعارضت مع هدفها  بالاحتفاظ بصورة الدولة الاسلاموية الحداثية، وثانيا: ان برزاني هو الشخص الأكثر موثوقية ( رغم تمرده بإجراء الاستفتاء) في تامين المصالح التركية ، اذ تفتقد تركيا حاليا لحليف كردي قوي،في الوقت الذي حققت فيه إيران اختراقا من خلال الطالباني ، خاصة وان برزاني هو الاقدرعلى إفشال مخططات حزب العمال الكردستاني التركي، في حين ان قدرات طالباني على هذا الصعيد محدودة،وثالثا:حجم العلاقة الاقتصادية بين تركيا وبرزاني ، حيث تشير إحصاءات إلى أن حجم الاستثمارات التركية في كردستان العراق تتجاوز ال(50)مليار دولار، مقابل أكثر من (100)مليار دولار استثمارات لعائلة برزاني في تركيا ،ورابعا: رغم انضمام تركيا لتحالف بغداد وطهران ضد الاستفتاء الكردي ، إلا أنها عمليا لم تتخذ أية إجراءات جادة ضد كردستان العراق ، على الأقل بمستوى الإجراءات التي اتخذتها بغداد وطهران ،حيث المعابر الحدودية التركية مع إقليم كردستان لم تغلق كما إن صنبور النفط الكردي لا يزال يتدفق الى تركيا ، وربما توقفت أنقرة مليا عند العقد النفطي الروسي مع كردستان العراق ، لتعيد حساب خسارتها ، على أهمية الموازنة بين الأمن القومي التركي ومصالحها الاقتصادية ، وتدرك أن بغداد وطهران ومعهما موسكو تحقق نجاحات على حساب إخفاقاتها .

مرجح انه وبحجم مفاجأة كركوك (ما بعد كركوك ليس كما قبلها)، ستكون هناك مفاجآت بالموقف التركي فقد عودنا الرئيس اردوغان على استدارات ملفتة على الطريقة التي تمت مع روسيا بعد إسقاط الطائرة الروسية على الحدود مع روسيا،وربما يؤيد التناغم التركي الأمريكي ، بعد اتهامات تركيا للسفير الأمريكي بأنقرة بأنه السبب الرئيس في تازيم العلاقة بين الجانبين ، وموافقة الرئيس ترامب على ذلك في مساعدة تركيا باتخاذ خطوات أكثر جرأة ، وطهران وبغداد وربما موسكو، ربما تدرك جيدا احتمالات انقلاب تركيا (الحليف غير الموثوق)، ضامن الجماعات الموصوفة ب “الإرهابية” وحليفها في سوريا،ربما تكون الاستدارة التركية أسرع مما يتوقع لها.

كاتب أردني

oaalraddad@gmail.com