ما بين إدلب وكركوك تحالفات جديدة في الشرق الأوسط

karkuk77

إسطنبول/الأناضول: لم يكن مفاجئًا اندلاع الاشتباكات بين الحشد الشعبي، وعناصر البيشمركة في مدينة طوزخورماتو بمحافظة صلاح الدين شمالي العراق، بالتوازي مع عملية عسكرية أطلقتها تركيا في محافظة إدلب شمالي سوريا في إطار اتفاقية مناطق خفض التوتر.

وأثناء شروعي في كتابة هذا المقال، بدأت الأخبار تتوالى حول سيطرة قوات الحكومة المركزية، والحشد الشعبي (قوات شيعية موالية للحكومة) على معظم محافظة كركوك (شمال)، فلا شك أن هذا الوضع بمثابة مؤشر مهم على أن التحالف الروسي التركي الإيراني بدأ يسفر عن نتائج.

تجدر الإشارة أن هناك العديد من العوامل التي دفعت كلًا من تركيا وروسيا وإيران إلى التقارب، منها اتخاذ الولايات المتحدة مواقف تصل حد “العداء” ضد أنقرة شريكتها الاستراتيجية، وحيلفتها السابقة خلال الحرب الباردة في منطقة الشرق الأوسط، فضلا عن تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإلغاء الاتفاقية النووية مع إيران، وفرض عقوبات على الحرس الثوري الإيراني، وتحالف واشنطن مع تنظيم “ب ي د” (أمتداد منظمة بي كا كا الإرهابية في سوريا).

هذا التقارب جاء رغم أن تركيا خلال الأعوام الأولى من الحرب الداخلية في سوريا، أخذت مكانًا ضمن الحلف الذي ضم الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج في مواجهة حلف النظام السوري وروسيا وإيران.

– أزمة الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وتركيا

من المعلوم أن أزمة التأشيرات الأخيرة بين الولايات المتحدة وتركيا، ليست متعلقة باعتقال مواطن تركي يعمل في قنصلية أمريكا بإسطنبول، ولا توجد له حصانة دبلوماسية.

الأمر له صلة بسلسلة أزمات بين البلدين بدأت برفض البرلمان التركي لمذكرة 1 مارس/ آذار 2003 (مشروع قرار تقدمت به الحكومة حول السماح بنشر قوات أمريكية في الداخل وإرسال قوات تركية للخارج)، ثم اعتقال الجيش الأمريكي جنودًا أتراكا في محافظة السليمانية بالعراق في 4 يوليو/ تموز من العام ذاته، وتخلي الولايات المتحدة عن تركيا وتحالفها مع تنظيم “ب ي د” في سوريا، وأخيرا موقف الإدارة الأمريكية من محاولة الانقلاب التي نفذتها منظمة “فتح الله غولن” الإرهابية (منتصف يوليو/تموز 2016) وبعدها.

ورغم المواقف الأمريكية التي لا تتفق مع علاقات التحالف، عملت تركيا على إعادة ترميم تلك العلاقات لفترة طويلة؛ لكن وأمام استمرار الدعم الأمريكي لتنظيم “ب ي د”، اضطرت تركيا إلى التقارب مع روسيا وإيران في سوريا والعراق.

ولو أن هذا التقارب لم يحدث، لواجهت تركيا صعوبات جمة في تنفيذ عملية “درع الفرات” التي تعد حملتها الأولى لإفساد مخططات الولايات المتحدة، ولما استطاعت المشاركة في مسار أستانة (حول سوريا) الناجح الذي شكلته بالتعاون مع روسيا وإيران، كبديل لمحادثات جنيف التي ترعاها الأمم المتحدة، ولما تمكنت من تنفيذ عملية إدلب التي تعد حملتها الثانية لافساد المخططات ذاتها.

ولا يمكن اعتبار الولايات المتحدة سعيدة بعمليتي “درع الفرات” وإدلب رغم التصريحات التي تدليها بعكس ذلك.

– حملات تركيا التي “تفسد المخططات”

كما تغيرت التحالفات في منطقة الشرق الأوسط مؤخرا، فإن حدودنا الموازية للعراق وشمال سوريا تشهد تطوارات مهمة، فبقاء الكانتونات المحاذية لحدودنا في الشمال السوري، واستمرار إدارة إقليم شمال العراق في البقاء على المدى الطويل، أمران مرتبطان بالممر الذي سيتم فتحه إلى البحر المتوسط.

لكن تركيا استطاعت القضاء على هذا الخطر الذي يتربص حدودها مع سوريا من خلال حملتين (عمليتي درع الفرات وإدلب) أفسدتا المخطط القاضي بإنشاء ممر المتوسط، شمالي سوريا بموازاة الحدود التركية.

ومن المعروف أن إدارة إقليم شمال العراق، برئاسة (مسعود) بارزاني، تحتاج إلى كركوك على المدى القصير، وإلى ممر عبر سوريا من أجل الوصول إلى المتوسط على المدى الطويل.

لهذا السبب أصر بارزاني بشكل مستمر للسيطرة على كركوك التي تساهم بـ 40 في المئة من إنتاج النفط العراقي وبتكلفة منخفضة جدًا، رغم أنها ليست جزءًا من الإقليم.

وكي يتمكن من الوصول لمياه المتوسط عبر الممر المذكور، غض بارزاني الطرف عن تمدد منظمة “بي كا كا” الإرهابية في الإقليم، آملاً بإقامة تعاون مع الكانتونات التابعة للمنظمة شمالي سوريا، ليتمكن من تصدير النفط عبرها بشكل مستقل عن الحكومة المركزية العراقية وإيران وتركيا.

– التركيبة الديموغرافية لكركوك

عملية إعادة الدولة العراقية سيطرتها على كركوك، جاءت بالتزامن مع عملية عسكرية أطلقتها تركيا في إدلب، وهذا يظهر رفض الدول الثلاثة (تركيا وإيران والعراق) قيام دولة رابعة في المنطقة، ما اقتضى وجود تنسيق بينها كما أسلفنا القول.

وبالتالي، فإن الاستفتاء (بإقليم الشمال في 25 سبتمبر/أيلول الماضي) شكّل مقامرة بالنسبة لبارزاني، ولا شك أن عدم وقوف الولايات المتحدة إلى جانبه سيجعل وضعه أكثر تعقيدًا وصعوبة، وبالنظر إلى التقارير الأولية فمن الواضح أن الولايات المتحدة غير معنية بحماية بارزاني فيما يتعلق بكركوك.

وهكذا، فإن نسبة نجاح هذه التحركات مرتفعة جدًا، وحال تم إخراج قوات البيشمركة تمامًا من كركوك، فإن هذا سوف ينعكس بشكل إيجابي على المصالح الوطنية لتركيا وستكتسب عمليات إدلب أهمية أكبر.

ومع ذلك، فإن أسلوب تعامل مسلحي الحشد الشعبي مع سكان كركوك يكتسب أهمية كبيرة لكي لا يصبح سكان المدينة (التركمان والعرب السنة) كالمستجير من الرمضاء بالنار.

– الحملة الثالثة سيكون عنوانها سنجار

ستشكل حملة إعادة الحكومة المركزية العراقية سيطرتها على قضاء سنجار (محافظة نينوى)، والذي يتبع قانونيًا للإدارة المركزية، أهمية كبرى بالنسبة لتركيا.

وكانت قوات البيشمركة (قوات إقليم شمال العراق) بالتحالف مع مسلحي منظمة “بي كا كا” الإرهابية، قد سيطرت على القضاء أواخر 2015، بعد طرد مسلحي تنظيم “داعش” الإرهابي الذين سيطروا على القضاء ذي الغالبية الإيزيدية عام 2014.

إن المنطقة شهدت في السنوات الماضية حملات تغيير ديمغرافي وحملات تغيير لأسماء المناطق، ولعل قضاء “عين العرب” شمالي سوريا (يطلق عليها التركمان اسم “عرب بينار”) وقضاء سنجار الذي حفر اسمه الجغرافيا والتاريخ الإسلامي تحول بين عشية وضحاها إلى “شنكال” خير دليل على ذلك.