الدبلوماسية التركية الأمريكية.. على شفا الهاوية

mohamad-nader-alomry.jpg777

محمد نادر العمري

توالى التصعيد الدبلوماسي بين مركزي القرار في عواصم الحليفين الخصمين( أنقرة وواشنطن) نتيجة التراكمات السابقة التي شهدت خلال الأعوام الخمسة تفاوتا” في طبيعة هذه العلاقة، وبخاصة بعد الآمال الكبيرة التي علقتها تركيا على تولي إدارة ترامب للحكم في الولايات المتحدة الأمريكية.

فالأنشراخ الذي بدأت تشهده هذه العلاقة مع نهاية ولاية حكم باراك أوباما للبيت البيضوي بعد تهاوي مشروع الأخوان المسلمين الذي تبناه الأخير في عام 2010 عندما تم استضافة أجنحة هذا التيار وتبنى رؤيتهم بتعميم النموذج التركي في الدول العربية تحت مسمى “الثورات الناعمة” أو ماعرف “بالربيع العربي”.

لتتوالى بعدها جملة خيبات الأمل التركية تجاه السلوك الأميركي الذي ارتكز على تسليح الأكراد كبديل عن الدور التركي في الشمال السوري والعراقي ودعم خيار الانفصاليين في إقليم كردستان، بعد إن ساهمت الإدارة الأمريكية بشكل رئيسي وفاعل وفق تعبير المسؤولين الأتراك بدعم حركة الانقلاب الفاشلة على أردوغان والتي شهدتها تركيا في منتصف تموز من العام الفائت، لتشكل من بعدها زيارة أردوغان إلى الولايات المتحدة ولقائه مع ترامب في بداية العام الحالي صدمة شكلت هزة جيوسياسية ساهمت بتغير دفة التوجه السياسية لأنقرة والتي صدمت برفض أميركي للمطالب التركية بإقامة مناطق حظر للطيران في الشمال السوري وإعلان واشنطن استمرار دعمها للأكراد ورفضها تسليم المعارض التركي ((عبدالله غولن)) المتهم بالوقوف خلف الأنقلاب ومطالبتها لمرافقة أردوغان للانصياع لدعاوي قضائية رفعت بحقهم بعد اعتدائهم بالضرب على معارضين أتراك احتجوا أمام السفارة التركية في واشنطن.

هذا التناقض بالمصالح دفع تركيا نحو علاقات أكثر دفئ مع الجانبين الروسي والإيراني لضمان تموضعها في النظام الإقليمي الشرق الأوسطي بعد الإنحسار الكبير الذي شهده النفوذ الأميركي بهذه المنطقة، الأمر الذي شكل انزعاجا أميركيا واضحا من هذا التقارب وبخاصة مع موسكو، عبر عنه وزير الخارجية الاميركي “ريكس تيلرسون” بقوله “إن واشنطن لاتؤيد مثل هذا التقارب وهو ليس بمصلحة أنقرة”.التي لم تصغي للدعوة الأمريكية وضربت بعرض الحائط استراتيجية الناتو من خلال توصلها للاتفاق مع موسكو لشراء منظومة متطورة من الدفاع الجوي “S400″ لتشكل سابقة خطيرة ضمن منظومة الحلف تهدد بحدوث انشراخ داخل اعضائه بالتوجه نحو تطبيع المزيد من العلاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية بين أحد الأعضاء مع العدو التاريخي للناتو…. لتشكل بعدها زيارة الرئيس التركي ﻹيران في مطلع شهر تشرين الحالي صدمة كبرى لواشنطن التي تعيد رسم الاصطفات السياسية الإقليمية والدولية وتجيش الرأي العام “إن صحة الوصف” نحو تصعيد عسكري بعد التصعيد السياسي الذي اغلق أبوابه ترامب بإعلانه عدم تصديق اتفاق النووي مع طهران”5+1″.

هذه السلوكيات الاستفزازية من كلا الجانبين لم تتوقف عند هذا الحد بل سارعت أنقرة بعد القرار السياسي الذي اتخذه البنتاغون بعدم تزويد فرق الحراسة الرئاسية التركية بأية قطعة سلاح أو التنسيق معها حتى إشعار اخر، لتسريب معلومات حول عدد القوات الأمريكية في الشمال السوري وأماكن انتشارها لترتفع بعد ذلك حدة التوتر الدبلوماسي بين الحليفين الأطلسيين نحو تعليق إصدار التأشيرات الدبلوماسي.رغم محاولة صقور الادارتين من العسكريين والاقتصاديين والسياسيين المحافظة على خفض منسوب تطرف الخطاب السياسي واحتواء آثاره، إلا إن تداعيات هذه الأزمة الدبلوماسية ومدى تطورها أو أنحسارها محكوم بعدد من العوامل:

الأول: هو طبيعة التحالفات والعلاقات القائمة في المنطقة والناجمة عن منظومة من التشابك الاقتصادي العسكري في ظل تغير السلوكيات المعتمدة على الإرهاب والتدخل العسكري سابقا والذي وصل لطريق مسدود وبالتالي البحث عن اصطفافات ومسارات تكتلية قائمة على المصلحة المشتركة.

ثانيا: ميزات والصفات الشخصية لكلا الرئيسين التركي والأمريكي ومايمتازن به من تطرف وكاريزما غير منضبطة قد تقود نحو انفلات هذا التصعيد الدبلوماسي.

ثالثا: إمكانية توسع انشراخ الحلف الأطلسي ولاسيما نتيجة توسع الهوة بين الجانب الأمريكي والأوروبي والتركي والبحث عن بدائل بعيدة عن الهيمنة الأمريكية وسعيها لجر هذه الكيانات للخضوع نحو سياساتها الأملائية ولاسيما في الملفات المتلعقة بالتناقض الحاصل في الملف النووي الإيراني و تناقض الرؤى بمسار حل الأزمة السورية والتسابق نحو الحصول على مكان في العملية السياسية وإعادة الإعمار وزيادة التدخل في منطقة جنوب آسيا وانفلات القدرة على الهيمنة في منطقة الشرق الأوسط.

من المعلوم بإن الدبلوماسية تمثل قمة الحكمة في إدارة العلاقات بما يمثل أفضل السبل لتحقيق المصالح المشتركة للدول، وتعرض هذه السبل لهزات عميقة من شأنها إن تغير من معالم الأنظمة السياسية والتحالفات الدولية السائدة إقليميا ودوليا، وإعلان وزارة الدفاع الأمريكية بإن ارتدادات هذا التصعيد الدبلوماسي بين أنقرة وواشنطن لم يصل إلى المحفل الأطلسي هو محاولة لاحتواء هذه الأزمة وتهدأة الوضع الداخلي لهذا الحلف وما تأثر النمو الاقتصادي لليرة التركية سلبا من جراء هذا التوتر بنسبة 6.7% أمام الدولار وتراجع قيمة الأسهم التركية بنسبة 9%  وانخفاض التبادل التجاري بين الدولتين وتبادل الاتهامات المتبادلة بشأن دعم اﻹرهاب واتسام سلوكهما بسياسة الصد والرد …ماهو إلا غيض من فيض والقادم أعظم.

كاتب وباحث سوري في العلاقات الدولية

Mouhamad.86.mo@gmail.com