ما بعد الصراع: اعمار البشر ام الحجر

 abdel husein shaban

عبد الحسين شعبان

في الملتقى العالمي لإعادة الإعمار ومستقبل البناء في دول الصراع والذي حضره خبراء ومفكرون وباحثون ومؤسسات عربية ودولية وشركات وأصحاب أعمال عرب وأجانب، والمنعقد في عمّان مؤخراً، غطّت الأبحاث والدراسات كل من: سوريا والعراق واليمن وليبيا، إضافة إلى فلسطين، علماً  أن طبيعة الصراع في هذه الأخيرة تختلف عن البلدان العربية الأخرى، بسبب الاحتلال الصهيوني الاستيطاني التوسعي الذي يقارب سبعة عقود من الزمان.

وكان الملتقى قد خصّص أكثر من جلسة لمعالجة إعمار البشر وليس الحجر أو الشجر فحسب، خصوصاً وإن نتائج الحروب الأهلية والنزاعات المسلّحة وغياب سلطة القانون أو انثلامها  واستشراء العنف والإرهاب، كانت كارثية على مجموع السكان بتعطّل التنمية.  وقد تركت تأثيرات نفسية واجتماعية خطرة على مجتمعات الصراع، وخصوصاً الفئات الضعيفة مثل المرأة والطفل، إضافة إلى “المجاميع الثقافية”، الأمر الذي يحتاج إلى وقفة جدية وحلول استثنائية، لاسيّما في المرحلة الانتقالية، لتجاوز تأثيراتها وإعادة بناء الإنسان وتنميته وتوفير مستلزمات حياة حرّة وآمنة وكريمة له.

وإذا كان واجب أية دولة هو “حماية أرواح وممتلكات الناس″ و”ضبط النظام والأمن العام”، فإن مهمة بناء البشر في الظرف الاستثنائي والانتقالي، تتطلّب معالجة خمسة حقول أساسية مترابطة ومتلازمة، ولا يمكن إهمال أو تأجيل أي منها، لأنها متداخلة ومتفاعلة هي:

الأول- حفظ الأمن ليس بمعناه التقليدي، بل بأفقه الإنساني الذي  لا يتعارض مع الكرامة، إذْ لا أمن مع هدر كرامة البشر، ولا كرامة للبشر من دون الأمن، وحسب عالم النفس سيجموند فرويد، فمعادلة الأمن تسير جنباً إلى جنب مع معادلة الكرامة، وإنْ كانت تتقدّم أحياناً في الأوضاع الاستثنائية، الأمر الذي يتطلب أن تكون حماية حقوق الإنسان هي الوجه الآخر لحفظ الأمن دون أي تعارض أو تنافر.

الثاني- التنمية، وهو ما يتطلّب وضع خطط سريعة وعاجلة لما بعد الصراعات، وأخرى متوسطة وطويلة المدى للتنمية المستدامة، أي الشاملة، والمقصود بذلك “توسيع خيارات الناس″ في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والتربوية والقانونية والنفسية، ولجميع مجالات الحياة، في الصحة والتعليم والعمل والبيئة وغيرها.

الثالث- حكم القانون، حيث لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق تنمية مستدامة وأمناً مصحوباً بالكرامة، دون حكم القانون، الذي يعني إخضاع الجميع لمرجعيته، سواء كانت مرجعيته دينية أو إثنية أو حزبية أو سياسية أو طائفية أو مناطقية، وهو ما يتطلّب وجود مؤسسات وتشريعات وجهات تنفيذية لتطبيقه مع مساءلة وشفافية، إضافة إلى قضاء نزيه وعادل، وذلك جزء من مستلزمات بناء البشر، خصوصاً بتحقيق مبادئ المساواة أمام القانون وعدم التمييز.

 الرابع- العدالة، ولا يمكن تحقيق انتقال حقيقي من طور سياسي واجتماعي  إلى طور آخر أرقى، دون قدر معقول من العدالة وحفظ الكرامة الإنسانية في العيش الإنساني المشترك. ولا بدّ من اعتماد قاعدة للعدالة الانتقالية، في الظرف الاستثنائي لبلدان ما بعد الصراع ولمعالجة آثار الماضي بما فيها من ارتكابات وانتهاكات، والهدف هو تحقيق المصالحة الوطنية، التي تقوم على كشف الحقيقة كاملة لكل ما حدث، والمساءلة دون ثأر أو انتقام، وجبر الضرر لإبقاء الذاكرة المجتمعية حيّة، والتعويض لما لحق بالأفراد من غبن وإجحاف، وإصلاح النظام القانوني والقضائي والأمني لكي لا يتكرّر ما حصل.

والخامس – المواطنة، وهي الأساس الذي يمكن الركون إليه لمعالجة آثار الحروب والاضطهاد والاستلاب، خصوصاً وهي تقوم على إشاعة الحريات العامة والخاصة في إطار المنظومة الحقوقية لاحترام حقوق الإنسان، والمساواة، أمام القانون وبين الجنسين وتمكين المرأة بشكل خاص، وعدم التمييز لأي سبب كان. كما يتطلّب ذلك تحقيق قدر من العدالة، إذْ لا مواطنة مع الفقر، وستكون هذه ناقصة أو مبتورة أو مشوّهة. كما ينبغي اعتماد مبادئ الشراكة والمشاركة والحق في تولّي الوظائف العامة، بما فيها العليا دون أي تمييز لأسباب دينية أو إثنية أو جنسية أو لغوية أو اجتماعية أو لأي سبب آخر.

وإذا كان الإنسان ” أثمن رأسمال” حسب كارل ماركس، فهو “المقياس لكل شيء” حسب الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس ، ولأجله ينبغي أن تسخّر جميع الأمور والمستلزمات. وإذا كانت الغايات نبيلة وعادلة، فلا بدّ من وسيلة نبيلة وعادلة للوصول إليها، والوسيلة إلى الغاية هي مثل “البذرة إلى الشجرة” حسب المهاتما غاندي، فيلسوف المقاومة اللّاعنفية.

لعلّها معادلات مترابطة، فالأمن يسير مع التنمية، وهدف التنمية هو رفاه الإنسان وسعادته، تلك التي تحتاج إلى تطبيق مبادئ العدالة في ظل مواطنة فاعلة، تحفظ أمن الناس وأمن الأرض، مثلما هو أمن الأمم وأمن الأفراد اقتصادياً وغذائياً وصحياً وبيئياً وشخصياً ومجتمعياً وسياسياً .

إن تنمية البشر وإعادة ترميم ما تهدّم في دول ما بعد الصراع، تحتاج إلى الطمأنينة المجتمعية من خلال المنظومة الشاملة التي تغطي الحقول المذكورة، بما يسهم في تقليص مظاهر التعصّب والتطرّف والإرهاب، تمهيداً للقضاء عليها وتجفيف منابعها بما يغذّي الروح أيضاً، من نِعمْ الثقافة والأدب والعمران والجمال.

باحث ومفكر عربي