كايد الركيبات: ورطة الفقيه وخياراته

kaid rkabat.jpg666

كايد الركيبات

     خلال فترة السبع سنوات الماضية، والتي يمكن التوقيت لبدايتها مع اندلاع الحركة الشعبية العربية المناهضة لسياسات الحكام والحكومات في العديد من الدول العربية، والتي أُطلق عليها تيمناً اسم الربيع العربي، توسع الخطاب الديني المؤيد لدعائم السلطة، وأصدر الفتاوى القطعية التي تحرم مناهضة السلطة، أو التجمهر الاحتجاجي، واعتباره عصيان، وخروج على شرعية الحاكم، ومن أسباب الفساد في الأرض.

      وكان النصيب الأكبر لهذه الفتاوى يستمد أصول مادته الشرعية من الفقه الحنبلي، الذي يتبناه مشايخ وفقهاء الوهابية، حيث تكوّن منه الإطار الأساسي لدراساتهم الدينية، وفقههم الواقعي، وكانت انطلاقة شيوخ وفقهاء الوهابية ردة فعل وانعكاس كامل للمطالب والمشاعر الشعبية العربية، التي عاشت واقعاً مريراً وأحوالاً سياسية سيئة، بفعل بذور الخوف المتجذره في أعماق النفوس، نتيجة ممارسة السلطة المطلقة، والقمع الأمني، الذي تسلح به الزعماء والقوى التنفيذية في دول العالم العربي والإسلامي.

      فكانت شرارة الربيع العربي مصدر القلق والخوف عند كثير من الأنظمة العربية الحاكمة، فاجتهدت في مواجهتها بكل طاقاتها، لكسر اندفاعها، وإظهار نتائجها بصورة سلبية، لتكون أداة دعاية قوية في يد السلطة، ليبرهنوا للفقهاء الذين يتخذون فتاواهم الشرعية وفق التكييف الذي يصدر من بطانة السلطة التي تتمتع بمكاسب ومكانه خاصة، وتبذل غاية جهدها للمحافظة عليها، وبذلك استطاعوا أن يستجروا الفقهاء للدفاع عنهم، والحفاظ على مصالحهم ومكاسبهم الخاصة، من خلال فتاواهم التي تحرم التظاهرات والوقفات الاحتجاجية على المواطنين.

       وبعد استقرار الأمور ورجوع الناس لثوب الخوف، أخرجت السلطات من جعبتها مشاريعها في تحديث منهج سير الأمة وسلوكياتها، وأعادت تقييم مواقفها وثوابتها السياسية في المنطقة، بدون الالتفات للمعايير الشرعية في ضبط الأخلاق والسلوكيات، وبذلك أصبح الفقيه الحنبلي في حالة صدمة، فلا يمكنه الإفتاء بعكس ما أفتى بالأمس، ولا بإمكانه التأثير في مشاعر وسلوكيات الفرد الذي كان يقف بالأمس عكس رؤيته وطموحاته المشروعة.

     والسؤال المطروح اليوم في ظل التغيرات التي تعيشها المنطقة، والطريق الجديد الذي تسير به، هل يستطيع أصحاب الفضيلة الفقهاء والمشايخ ــــــ الوهابيين تحديداً ـــــ من إصدار فتاوى يعبرون بها عن سخطهم على مستجدات الأمور؟ في الفترة التي باتت الثقة لدى العامة في أن موافقة الفتوى لوجهة نظر السلطة تطغى على كل الاعتبارات الشرعية، التي يتمثلها أصحاب الفضيلة الفقهاء.

kayedrkibat@gmail.com