د. فارس حلمي: نهاية مشروع  بونابرت العسكري الاستعماري الصهيوني  تلوح في الأفق

fares hi,y

د. فارس حلمي

كان للمشروع الاستيطاني الصهيوني العنصري الإحلالي (كما وصفه د. عبد الوهاب المسيري و د.جمال حمدان) في سيناء وظيفة محددة صاغها الجنرال الصاعد الإمبراطور نابليون بونابرت.  وتتلخص تلك الوظيفة في أن يصبح في سيناء الاستراتيجية من حيث الموقع، دولة هي حامية عسكرية على الطريق الممتدة من فرنسا إلى الهند والصين، وعلى أن تبقى تلك الدولة التي تغتصب سيناء معادية دائما لمحيطها، وتجعله مهموما ومشغولا دوما بالهاجس الأمني أي الخوف من استمرار عدوان الدولة الغريبة المحتلة، والخشية من اعتصابها لمزيد من الأرض.  وهكذا تصبح هذه القلعة أو الدولة (الحامية العسكرية) في صراع مسستمر مع محيطها، ولا تستطيع البقاء ولو لفترة وجيزة دون اعتمادها على حاميها ومؤسسها وراعيها بالنفوذ والرجال والمال والسلاح والإعلام (أي الأكاذيب).  وسرعان ما تبنى هذا المشروع الاستعماري كل من بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة إضافة إلى الحلف الأطلنطي.  وبعد قيام دولة إسرائيل في فلسطين (بدلا من سيناء) بعد أكثر من 75 مجزرة موثقة ارتكبها قادة العصابات الصهيونية, تم تهجير معظم أبناء الشعب الفلسطيني إلى الجوار العربي، الأردن، وسورية ولبنان.  وهكذا بدأت إسرائيل في القيام بدورها في خدمة الاستعمار الأوروبي والأميركي. ففي عام 1954 اعتدت على الجيش المصري في صبيحة أحد الأيام دون مبرر وقتلت بدم بارد  45 جنديا مصريا، الأمر الذي أدى إلى شراء مصر أسلحة روسية (تشيكية).  وفي عام 1956 حدث العدوان الثلاثي الفاشل على مصر بعد أن تآمر في الظلام الدامس وزراء خارجية فرنسة وبريطانيا مع ديفيد بن جورويون الذي أصر على توثيق التآمر بكتابة كل شيئ على ورقة احتفظ بها.  وفي عام 1967 اعتدت إسرائيل على الدول العربية فاحتلت الضفة الغربية والجولان وسيناء في إطار سياسة الولايات المتحدة بالضغط على الرئيس المرحوم جمال عبد الناصر.  ثم  دمرت المفاعل النووي السلمي العراقي مرتين دون وجه حق.  واجتاحت لبنان عام 1982 لتهجير جميع الفلسطينيين إلى لبنان وبعد ذلك يتم توزيعهم على البلاد العربية ولكنها هربت في الليل وتركت عملائها.  وفي عام 2006 اعتدت على لبنان وعادت خائبة.  وكان لها دور كبير في التخطيط وتنفيذ الربيع العربي الذي تحول إلى كابوس عربي لتدمير المخيمات الفلسطينية في البلاد العربية ولتبقي البلاد العربية في أتون حرب أهلية ضروس لعدة عقود كما في أفغانستان للأسف.

ورغم الخراب والدمار الهائل فقد جنت إسرائيل الخيبة من حربها بالوكالة ضد دول الطوق العربي.  وها هي إسرائيل تخشى النتيجة النهائية للربيع العربي لأن وضعها الاستراتيجي أصبح أسوأ وأكثر خطرا عليها.  فما لم تتوقعه إسرائيل هو أن تصبح الجيوش العربية وبصفة خاصة في مصر وسورية والعراق والأردن أكثر خبرة وأكثر كفاءة واقدر على خوض المعارك والحروب الطويلة والمتعددة المراحل.  فالمعارك المستمرة لسبع سنوات أكسبت كبار القادة العسكريين والسياسيين العرب خبرة في التخطيط والتعامل مع النكسات واستعادة المبادرة، والتنسيق بين الميادين السياسية والعسكرية والاعلامية والاقتصادية والداخلية والخارجية. وهذا الجانب كانت تفتقده القيادات السياسية والعسكرية العربية قبل بدء مرحلة الربيع أو الجحيم العربي على الأصح.

إسرائيل أداة بيد الاستعمار الغربي وليس العكس

أولا – بعيد الاعلان عن نشأة دولة إسرائيل، صدر عام 1950 وفي عهد ايزنهاور بيان التحالف الثلاثي (بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة) والذي يؤكد على أن هذه الدول الثلاث ستعمل من داخل مجلس الأمن ومن خارجه من أجل منع أي محاولة من أي  طرف لتغير الحدود الحالية في فلسطين أو تغيير مسار خط الهدنة الذي اتفق عليه العرب والاسرائيليون عام 1948.

كانت الحركة الصهيونية تريد جميع فلسطين أو فلسطين كاملة.  وهي بالنسبة لهم ما هو غرب خط سير  سكة الحديد القادم من دمشق والمستمر إلى معان والعقبة.  ولكن فلسطين عند تشرتشل عام 1920 كانت هي غرب مجرى نهر الأردن.  أما في عهد أيزنهاور فقد أصبحت إسرائيل هي غرب خط الهدنة فقط.  وتتضمن هذه المساحة التي تمثل حوالي أكثر من 75 % من جميع فلسطين عيوبا استراتيجية، الأمر الذي يجعل من جماية إسرائيل أو الدفاع عنها أمرا صعبا للغاية.

وعليه، هناك من المؤرخين العرب الشبان، من قبيل الدكتور عبد المجيد الشناق، من يرى أن جميع الحروب اللاحقة التي شنتها إسرائيل ضد الدول العربية المحيطة بفلسطين كانت في جوهرها محاولات يائسة تهدف إلى إصلاح الخلل البنيوي في بنية دولة إسرائيل، وذلك بتهجير جميع الفلسطينيين إلى شرق نهر الأردن أو لبنان أو سيناء.  أي من أجل أن تصبح جميع الأراضي غرب نهر الأردن تحت سيطرتها وبدون الفلسطينيين.

ثانيا – أنذر أيزنهاور بن جوريون عام 1957 بأنه إذا لم يرسل إلى مجلس الأمن وثيقة تلزمه بالانسحاب من سيناء غدا وقبل بلوغ الساعة الثانية عشرة ظهر ذلك اليوم بتوقيت نيويورك، فإنه (أي أيزنهاور) سيتصرف لإجبار إسرائيل على الإنسحاب إلى ما وراء خط الهدنة مع مصر.  قبل بن جوريون الانذار وهو يبكي وأسرع بإرسال الوثيقة التي تؤكد بأنه يطيع وسينسحب من جميع سيناء في الساعة واليوم المحدد له.  وفعلا حدث وانسحب بن غوريون من جميع سيناء.

رابعا – عندما كان الرئيس المرحوم حافظ الأسد يتفاوض مع الرئيس نكسون وسأله ماذا لو لم ينسحب الاسرائيليون؟  أجابه الرئيس نكسون فورا وبدون تردد بقوله ” سنتركهم يقلعون شوكهم بأيديهم.

خامسا : عندما تردد شامير عام 1991 في الاشتراك في مؤتمر مدريد، أعلن الرئيس بوش الأب بأنه سيلغي ضمان الدولة الأميركية لقروض إسرائيل من البنوك الأميركية. فوافق شامير فورا على حضور المؤتمر.

سادسا – عام 2016 وعندما كانت إسرائيل تعارض بشدة الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة الدول التي تتفاوض معها، وافق الكونجرس الأميركي وكذلك مجلس النواب، على الاتفااق مع إيران.

من يريد دولة إسرائيل بعد مرو أكثر من مئتا عام على بونابرت ومشروعه الامبراطوري؟

بعد مئتا عام على بونابرت وزمانه لم يعد هناك أهمية تذكر للعوامل التي دعت نابليون ومن أتى بعده من الجنرالات الاستعماريين إلى الاهتمام بمنطقة ساحل جنوب شرق البحر الأبيض المتوسط.  فتقنيات النقل العملاقة الآن من قبيل السفن التي تحمل أكثر من نصف مليون طن من البضائع المختلفة ليست نادرة. وطائرات الشحن الجوي ها هي تأتي بالمواد الغذائية من تشيلي وجنوب افريقيا إلى البلاد العربية حاملة الحمضيات والموز والبصل والثوم والدجاج المجمد من جنوب أفريقيا وأوروبا وأستراليا.  فوسائط النقل أصبحت عملاقة وتتغلب على عوامل المسافة والزمن.  وحيث تتوفر تقنيات التبريد وحفظ الأطعمة فترات طويلة، سنة كاملة وأكثر، لا توجد مشكلة في نقل المواد الغذائية إلى أي مكان وأي زمان على البسيطة.

وهناك القطارات السريعة التي تصل بيكين بموسكو وبقية الدول الأوروبية أصبحت أفضل وأرخص من المرور بقناة السويس.  وكذلك طريق الحرير القديم (طريق الجمال) أصبح اليوم طريق القطارات السريعة.

كما أن مياه القطب المتجمد الشمالي لم تعد متجمدة طيلة السنة وبصفة خاصة بعد أن تمكنت كاسحات الجليد النووية من تحطيم الجليد والعبور إلى أوروبا قادمة من الشرق الأقصى منذ عقود عديدة.

كما أن طرائق الزراعة العلمية الحديثه في المزارع المحمية أصبحت تتغلب على تقلبات المناخ صيفا وشتاء بغض النظر عن الزمان والمكان.

  التكنولوجيا تطورت، والعلم لم يعد مقتصرا على الكتب الورقية الثقيلة والضخمة . وأصبح معظم العلم موجود في كل بيت يوجد فيه تلفون ذكي.  وأي طفل يستطيع الوصول إلى المعلومات والاختراعات التي يريد وبلمح البصر ودون ما حاجة إلى الانتظار أو الانتقال إلى إوروبا أو الولايات المتحدة.

وتطورت التقنيات المختلفة وبسرعة هائلة، فاصبحت مشاغل صغيرة قادرة على إنتاج جميع مواد وأدوات التفجير والتدمير والقتل.  وصناعة الطائرات التي تطير بلا طيار أصبحت ملك يمين من يريدها، وكذلك أصبحت الصواريخ ملك أي دولة أو شركة أو أي جماعة.  وها هي الولايات المتحدة تطبع العملة دون ما حاجة إلى غطاء من الذهب أو انتاج صناعي أو زراعي.

بعبارة أخرى الاستعمار لم يعد في حاجة ماسة إلى دولة إسرائيل. بل أصبحت إسرائيل عبئا عليه. فبضائعه تصل إلى جميع أسواق العالم بسرعة قياسية. ولا حاجة لبناء الجيوش الجرارة والمدججة بالسلاح لتفتح الأسواق أمام البضائع الأوروبية أو الأميركية.  بل أخذ الناس هم الذين يبادرون ويشترون من القارات المختلفة كل ما يريدونه بوساطة جوجل.

وعليه، لا بد من تصفية هذا المشروع الامبريالي الذي لم يعد ينسجم مع الحضارة والعدالة والانسانية. فالعنصرية أصبحت غير مشروعة ومرفوضة ويجب إلغاؤها بعد تحريمها. ولكن تصفية هذا الكيان لا بد أن تكون أيضا بطريقة إنسسانية، تتناسب مع العصر والقيم النبيلة وتطور مفاهيم العدالة.

إسرائيل الآن محاصرة شرقا وجنوبا وشمالا.

يشعر الصهاينة أن ما حصلوا عليه عام 1948 لا يمثل طموحاتهم، وأنه يعطيهم دولة هشة سهلة الكسر.  وعليه خاضوا عدة حروب عدوانية لتصحيح هذا الوضع الماساوي من وجهة نظرهم كما يرى المؤرخ الأستاذ الدكتور عبد المجيد الشناق في الجامعة الأردنية.   فهم يريدوا جميع فلسطين وبدون جميع الفلسطينيين. ولهذا شاركوا في مؤامرة عدوان 1956 على مصر، وكذلك قاموا بعدوان عام 1967، وكان ذلك العدوان مطلبا أميركيا بصفة رئيسية.

وبعد أن استقرت الأوضاع بعد عدوان عام 1967 بالنسبة لهم قرروا البدء بتنفيذ خطتهم وهي تهجير وتشريد جميع الفلسطينيين لتصبح جميع فلسطين بين أيديهم وملكا خالصا لهم، بما في ذلك القدس الشريف، ولكن بدون الفلسطينيين، وليصبح الأردن هو فلسطين.

 وهكذا قرروا الانفراد بالأردن وشن عدوان عليه عام 1968. ولكن النتيجة كانت مخيبة لآمالهم. فقد انتصر الجيش العربي الأردني في تلك المعركة نصرا تاريخيا مؤزرا، ما بعده ليس كما قبله.  وسرعان ما أدركت قيادة العدو أن جيشها وقع في فخ محكم حرمهم من عناصر قوتهم الطيران والمدفعية البعيدة المدى الأمر الذي أدى إلى تفوق إرادة الجيش العربي وجنوده الذين يرون في الاستشهاد أمنية الأماني وغاية الغايات.  وسرعان ما بدأت قيادة العدو تصرخ وتطلب وقف إطلاق النار.  ورفض الملك حسين رحمه الله وقف إطلاق النار وأصر على مواصلة المعركة.  فانسحبوا بطريقة مرتبكة وغير منظمة وتركوا قتلاهم وجرحاهم وأسلحتهم على أرض المعركة.  فكان نصرا استراتيجيا مؤزرا أدركت معه القيادة الاسرائيلية انها لا تستطيع حل مشكلاتها مع الشعب الفلسطيني على حساب الأردن وفي الأردن.

فشل الجيش الاسرائيلي في معركة الكرامة كان فشلا ذريعا. وهكذا أصبحت إسرائيل محاصرة من الشرق.

ولا بد ان نسجل هنا أيضا أن هذا النصر الذي أحرزه جيش عربي بقيادة عربية هو أول نصر تاريخي  استراتيجي يحرزه جيش عربي بقيادة عربية منذ نهاية العصر الأموي الدمشقي والأندلسي.  ففي اثناء العصر العباسي كانت جيوش الدولة العباسية في معظمها جنودا وقادة من أبناء الشعوب التي دخلت في الاسلام من الترك والتركمان والأكراد والفرس.  ولا نقلل من شأن انتصار الشعب الجزائري البطل في معركة التحرير ضد فرنسا.  انتصار الشعب الجزائري هو انتصار حرب غير نظامية، بطريقة حرب العصابات، ولا شك في أنه انتصار عظيم وتاريخي أدى إلى انسحاب فرنسا عسكريا من جميع مستعمراتها في افريقيا. أي أن كفاح الشعب الجزائري لم يؤدي إلى تحرير الجزائر فقط، بل أدى أيضا إلى تحرير جميع المستعمرات الفرنسية في أفريقيا.

وفي السادس من أكتوبر عام 1973 وفي تمام الساعة الثانية وخمسة دقائق ظهرا انطلقت مئات الطائرات القاذفة والمقاتلة من جبهة قنال السويس وجبهة الجولان لتمهد لتحرير سيناء والجولان.  وفي جبهة قنال السويس كان النصرتاريخيا وفاصلا. فقد كانت التقديرات السوفياتية أن خسائر جيش مصر ستزيد عن 50- %  في كل شيء من الطائرات والدبابات والمدافع والأفراد. لكن الخسائر الفعلية كانت بسيطة وقليلة جدا.  خمس طائرات فقط لم تعود سالمة بما فيها طائرة  كان يقودها عاطف السادات شقيق الرئيس السادات. وأقل من 300 شهيد.

وفي نهاية المطاف أصبحت إسرائيل غير قادرة على حل مشكلاتها مع الشعب الفلسطيني في سيناء أو في الجولان.

وفي عام 2000 و 2006  تمكنت المقاومة اللبنانية البطلة بقيادة حزب الله من هزيمة إسرائيل وهربها مرتين من لبنان. وعليه أصبحت حدود فلسطين مع الأردن  ومع مصر ومع لبنان وسورية محرمة على إسرائيل ولا تستطيع أن تحل مشكلاتها مع الشعب الفلسطيني على الأراضي العربية في كل من الأردن ولبنان وسورية ومصر.  على إسرائيل أن تتفاهم مع الشعب الفلسطيني . أما عدد الفلسطينيين اليوم في فلسطين المحتلة حسب إحصاءات جريدة الفايننشيال تايمز البريطانية يزيد عن ستة ملاين ونصف المليون مواطن فلسطيني.  أما خارج فلسطين وفي بلاد الشتات فالشعب الفلسطيني يبلغ تعداده أيضا أكثر من ستة ملايين ونصف المليون من المواطنين في مختلف بلاد العالم وتعيش غالبيتهم في الأردن وسورية ولبنان.

وفي كلمات قليلة:  إسرائيل محاصرة شمالا وشرقا وجنوبا والبحر من أمامها.  وفي بطنها ستة ملايين ونصف المليون من الفلسطينيين.  وخط الهدنة يجعل منها دولة هشة وضعيفة يسهل كسرها، والدول الاستعمارية الكبرى لا تحتاجها للبقاء في البلاد العربية والاسلامية.  والعنصرية كنظام عفى عليه الزمن،وغير مقبول وممارسته جريمة ضد الانسانية، ولا بد من التخلي عنه.  وإذا واصلت إسرائيل في التمسك بالنظام العنصري ما على الشعب الفلسطيني إلا ان يخطو خطوة واحدة وهي عند الدكتورجمال حمدان أن يجعل الشعب الفلسطيني من وطنه فلسطين منطقة طاردة اجتماعيا للمهاجرين الاقتصاديين الذين جاؤوا إلى فلسطين طمعا في رخاء مجاني وحياة أفضل على أنقاض وتعاسة الشعب الفلسطيني.

ماذا ستفعل إسرائيل مع الشعب الفلسطيني ؟

آن الأوان. . على الشعب الفلسطيني أن يختار ويقرر وينفذ. ونحن على يقين من أن الشعب الفلسطيني لن يقف وحيدا في المعركة. بل سيهب لنصرة ونجدة ومساندة الشعب الفلسطيني المناضل جميع أحرار الترك والكرد والفرس والعرب والعالم.  فالناس، كل الناس يحبون ويحيون ويحترمون ويساندون الذين يساندون أنفسهم، ويبذلون الغالي والنفيس دفاعا عن أنفسهم، وحقوقهم، وكرامتهم.

أكاديمي عربي