محمد الشبراوي: في ذكرى أمير الشعراء

ahmad shpuqi

محمد الشبراوي

تُدهِشُكَ قصائده الخالدة وكأنه كتبها وهو يُطالع ما يدور الآن في الساحة العربية من تطاحن وتصارع! استطاع أن يغوص في أعماق تراثنا العربي والإسلامي، وأزاح الغبار عن الشخصية العربية الأبية التي ترفض الضيم، والانقياد للجبابرة، والمتغطرسين. واليوم مع الذكرى الخامسة والثمانين لوفاته؛ لا زالت كلماته تحفِّزُ الوجدان العربي؛ علَّه يثب على العتاة ويقتص منهم. إنه أمير الشعراء، أحمد شوقي، الذي انحاز لصف المقهورين، ولم يدندن على وتر السلطة؛ فخلدته الذاكرة العربية، واستلهمت من أشعاره العزة ودحض الظلم.

صبَّ شوقي زخمه الشعري على التراث العربي؛ فاستخرج من كنوزه ما يرفع الهمم، ويحفز أهل المروءات والشيم؛ لطرد الغاصبين والانتهازيين الذي سيطروا على خيرات البلاد مطلع القرن العشرين. في بواكير حياته كان لسان القصر، وقد بعثه الخديوي لدراسة الحقوق في فرنسا؛ فأُشربت نفسه حب المسرح الشعري، وتأثر برواد الشعر الفرنسي، وكان من نتيجة ذلك كتابته المسرحية الشعرية والشعر الرمزي؛ فكتب مصرع كليوباترا، قمبيز، عنترة، وغيرها الكثير.

بعد عودته من فرنسا أدار شوقي ظهره للقصر بعدما كانت قصائده حكرًا على امتداح الخديوي، ووضع موهبته الشعرية في خدمة قضايا القومية العربية، وانخرط في حياة الشعب يساند القضايا التي تشغلهم، ويطرد عن نفوسهم اليأس والانكسار. أنكر شوقي على الرئيس الأمريكي روزفلت ثناءه على الاستعمار الإنجليزي في مصر خلال زيارته للقاهرة سنة 1910 وقد هاجم روزفلت الإسلام؛ فجرَّد له شوقي قصيدة “أنس الوجود” التي بدأها مخاطبًا روزفلت: “اخلع النعلَ واخفض الطرفَ واخشع″؛ فأسرها الإنجليز لشوقي وأضمروا له الشر.

أدرك أن نفيه من مصر بأمر الإنجليز سنة 1915 كان بمثابة تجديد لروحه وملكته الشعرية، وإن جرَّعه ذلك مرارة الغربة للوطن التي كابدها سنواتٍ خمس. وفي منفاه بالأندلس انكبَّ على دراسة مآثر العرب، وقد وقف بنفسه على أطلالها كما وقف امرؤ القيس من قبل “بسقط اللوى بين الدخول فحومل”، ولم يجد من المسجد الجامع في إشبيلية إلا منارته! وفي غرناطة ذُهِلَ عن نفسه أمام قصر الحمراء، وفي قرطبة توالت عليه الذكريات؛ فجادت قريحته بالشعر. بعث في نفوس العرب ضرورة الذود عن الوطن قبل أن يبكوا بكاء “أبي محمد بن عبد الله” ساعة سلَّم مفاتيح غرناطة بيديه، وما أقسى ما قالته له أمه، عائشة الحرة، بثبات: ابك كالنساء ملكًا لم تحفظه كالرجال.

يبدو لنا شوقي في زي المؤرخ القدير فضلًا عن تمكُّنِه من الأدوات الشعرية التي بفضلها أسس مع رفيق دربه حافظ إبراهيم مدرسة الإحياء، وقد عارض شوقي جميع قصائد الإمام البوصيري، فضلًا عن معارضة بعض قصائد القدماء مثل البحتري في سينيته، وابن زيدون في نونيته، وغيرهم.

في 1927 بويع أميرًا للشعراء، وانتقده العقاد بقسوة في كتابه “الديوان”، وفي مثل هذا اليوم سنة 1932 فاضت روحه لبارئها.