معتز حيسو: في أوضاع الصحافة العربية الرائجة

moutaz hiso.jpg555

معتز حيسو

من الطبيعي أن يلجأ أصحاب الرأي للكتابة في صحف تُنشر خارج بلدانهم. تحديداً إذا كانت تتمتع بالرصانة والمحافظة على المعايير الديمقراطية وحرية التعبير. ويعزز من  ذلك، معاناتهم الاقتصادية، وهيمنة الأجهزة الأمنية على المجال العام، وارتفاع وتيرة ممارساتها القمعية والرقابية، إضافة لأسباب تتعلق بثورة الاتصالات التي سهَّلت تجاوز الأطر المحلية.

في سوريا ودول أخرى شبيهة، تعاني الصحافة الرسمية وشبه الرسمية من أوضاع جداً سيئة. ومعلوماُ أن الحكومة السورية تعمل على أن تكون الصحافة وجهاً آخر لتوجهاتها السياسية والاقتصادية. ولذلك دور كبير في تجفيف منابع التنوع الثقافي والفكري وأيضاً السياسي. ما ينعكس على أعداد القرَّاء ونوعيتهم، وعلى حجم المبيعات وأشكالها. فالقسم الأكبر من الصحف الرسمية يوزع على المؤسسات التابعة للحكومة. والمتبقي منها يباع بالكيلو أو يعاد تدويره. أما أوضاع الصحفيين العاملين فيها، أو من يكتب فيها من «المثقفين» فإنها تزداد سوءاً.

 بخصوص كتَّاب المعارضة وبشكل خاص المستقلين. فإن مجالات المشاركة في الفضاء العام السوري والكتابة الصحفية داخلياً شبه مغلقة. أما مشاركتهم في صحف حزبية و شبه حزبية، فإنها ما زالت تصطدم بآليات تفكير حزبية أحادية. يضاف لذلك محدودية انتشارها وصعوبة الترويج لها لأسباب متعددة يتعلق بعضها بجفاف مصادر الدعم، وارتفاع التكاليف. ما يعني انحسار نشاطهم الثقافي والفكري على صفحات مواقع التواصل التي تحولت بدورها إلى ميادين تفاعل وصراع. ومعلوماً أن ثورة الاتصالات ساهمت نسبياً في تجاوز بعض الإشكاليات الضاغطة على نشاط المثقفين الفكرية. لكنَّ آليات الرقابة والمتابعة الأمنية ما زالت تشكل أحد المعيقات الأساسية أمام حرية التعبير.

بالنسبة للحكومة السورية فإنها كانت حتى وقت قريب تساهم في تمويل بعضاً من الصحف، منها الناطقة باسم«أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية» ما انعكس على مواقف تلك الأحزاب. ويتجلى ذلك بانخفاض مستوى مشاريعها السياسية، وانحسار وجودها الاجتماعي وتأثيرها السياسي. ولذلك علاقة مباشرة بطبيعة علاقتها بالحكومة. ويتقاطع ذلك أيضاً مع أسباب أخرى تتعلق «بميثاق عمل الجبهة» الذي ينظم آليات اشتغال تلك أحزاب ومجالاتها وعلاقتها بالسلطة والمجتمع. مع ذلك لجأت الحكومة مؤخراً إلى إيقاف الدعم عن الصحف المذكورة، وفرضت عليها شروطاً جديدة فاقمت من أزماتها. وكان لذلك آثاراً مالية وأخرى سياسية. وجميعها عوامل تنعكس على أوضاع الصحفيين والكتَّاب السياسية والمعيشية. وأيضاً على طبيعة علاقة قيادات الأحزاب المذكورة مع قواعدها.

من جانب آخر توجد صحف أخرى لا يتعدى اهتمام أصحابها أخبار الفنانين وقضايا أخرى دعائية وترفيهية وتجارية تسويقية… ما يعني عدم وجود صحافة ورقية ثقافية وفكرية وسياسية احترافية ومنفتحة. ما يدفع بالمثقفين والكتَّاب السوريين للبحث عن منابر إعلامية وصحفية في بلدان أخرى. وفي كثير من الأحيان يكون لبنان خيار السوريين المفضَّل. فهو بالنسبة لهم مجالاً مفتوحاً لممارسة نشاطهم الثقافي والصحافي، ويستطيعون فيه وعلى صفحات جرائده المختلفة من التعبير عن آراءهم. ونظراً لبعض المشاكل والأزمات التي تعاني منها الصحافة في لبنان و بلدان أخرى عربية، بات من الواضح أن فرص مشاركة أعداد كبيرة من الكتَّاب تميل إلى الانخفاض. والسبب اعتماد آليات عمل انتقائية تتعلق بطبيعة الصحيفة ومصادر التمويل.

من جانب آخر أسهمت ثورة الاتصالات بتسهيل وتسريع نقل المعلومات، وانفتاح مجالات النشر الكتروني. والأهم بروز مؤسسات وشركات إعلامية عملاقة أسهمت بشكل واضح في التأثير  على المزاج العام وآليات التفكير العامة والسائدة. تحديداً في لحظات التحول المفصلية. ويشكِّل «الربيع العربي» أحد أبرز التحولات التي تمت تغطيتها وتأطيرها وتوجيهها من خلال مؤسسات إعلامية كبرى متنافسة، ومرتبطة بصلات وعلاقات متباينة بمراكز استخباراتية دولية وإقليمية اشتغلت على إدارة حروب إعلامية تركزت أهدافها على صناعة الأحداث وتوجيهها والتأثير على المزاج العام وآليات التفكير. ما يعني أن كثيراً من المواقف والآراء الرائجة تمت صناعتها في سياق توجهات ومصالح شركات عملاقة وجهات أمنية استخباراتية ودولية.

بالعودة إلى بعض الإشكاليات التي تعاني منها الصحافة العربية. نقف على موضوع التمويل. إذ يشكل ارتفاع التكاليف، وانخفاض نسبة مبيعات الصحف الورقية، وعدم وجود مصادر مالية تجارية أو إنتاجية خاصة بالصحيفة. أحد أكثر الإشكاليات خطورة. ويُعتبر  ذلك مدخلاً إلى تفاقم دور المال السياسي والإستخباراتي في تطويع المسار العام للصحافة واستخدامها لأغراض وأهداف متعددة منها وظيفية هدفها صناعة الرأي العام وتوجيهه. وكان لذلك كبير الأثر في تفاقم مظاهر الفساد وانتشار آليات اشتغال مغلقة. لدرجة أن بعض الصحف تحولت بسبب ارتهانها لمصادر التمويل إلى إقطاعيات خاصة تحوَّل في إطارها بعض من الكتَّاب إلى أدوات وظيفية. وكان يتم في السياق المذكور إقصاء كتَّاب يتمتعون بعقل نقدي موضوعي.

خلاصة قولنا أن المحافظة على التنوع، وتوسيع المشاركة الثقافية والفكرية في زمن عربي يتسم بالرداءة المتمادية والانحطاط. يشكل أحد أهم مصادر الارتقاء بالتفكير الإبداعي، ويعزز من حيوية مجتمعاتنا.