عَمليّة القُدس المُحتلّة جَرسُ إنذارٍ للإسرائيليين وحُلفائهم المُطبّعين العَرب.. ومُنفّذ العَمليّة يُقدّم درسًا بليغًا بإطلاق النّار على الجُنود وليس المَدنيين.. ورسالته واضحة: لا سلام في ظِل الظّلم والاحتلال

nimer jamal.jpg 66

لم تُفاجئنا حالةُ “الصّدمة” التي سادت أوساط الحُكومة والمُستوطنين الإسرائيليين بعد العمليّة الفدائيّة التي نفّذها الشهيد نمر الجمل أمام مُستوطنة شمال القدس، ممّا أدّى إلى مَقتل ثلاثة جُنود إسرائيليين وإصابة رابع بجروحٍ خطيرةٍ، والسّبب أن الإسرائيليين اعتقدوا أن الشّعب الفِلسطيني استسلم، وأن العرب، أو مُعظمهم، باتوا حُلفاء أوفياء لهم يسيرون بخُطىً مُتسارعة على طريق التّطبيع، وأن التنسيق الأمني سيُوفّر الحماية والأمن لمُستوطنيهم وجُنودهم معًا.

توقيت هذهِ العمليّة كان على درجةٍ كبيرةٍ من الأهميّة، فقد جاءت بعد أيّام مَعدودةٍ من تصريحات السيد عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي، التي قال فيها أنه ليس هُناك أيّ داعٍ لاستمرار “النّزاع″ الفِلسطيني الإسرائيلي، وأُخرى أدلى بها عاهل البحرين، الملك حمد بن عيسى آل خليفة، وأعرب فيها عن قناعته بضرورة وَقف المُقاطعة لإسرائيل، ونتمنّى أن يُجيب جلالته عن سُؤالٍ مُحدّد وهو، لماذا استخدامه للمُقاطعة ضد جارته القطريّة حلال، واستخدام العَرب والفِلسطينيين لها ضد عَدوٍّ يَحتل أرضهم من المُحرّمات؟

من استمع إلى خِطاب التوسّل الذي أدلى به الرئيس الفلسطيني محمود عباس أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة، وأكّد فيه أنّه يترأس سُلطة بلا سُلطة، وخاطب الحُضور بقوله “طلبنا من نتنياهو قُبول حَل الدّولتين وترسيم الحُدود ولكن لسوء الحَظ رَفض، وهُناك في كلّ مكانٍ مُستوطنات ولا يوجد مجال للفلسطينيين”، من استمع إلى الخطاب شبه المُكرّر، يُدرك حَجم الإحباط الذي يُعانيه الفلسطينيون داخل الأراضي المُحتلّة وخارجها، وهذا ما يُفسّر مُسارعة حَركتي “حماس″ و”الجهاد الإسلامي” بوَصف العمليّة بـ”البطوليّة”، وتأتي ردًّا على جرائم الاحتلال وانتهاكاته المُتواصلة في القُدس المُحتلّة، أمّا الجَبهة الشعبيّة فطالبت في بيانٍ لها جَناحها العَسكري وكُل قِوى المُعارضة إلى الاستمرار في استهداف المُستعمرات حتى يُصبح وجودها مُكلفًا للاحتلال ولا تَستطيع قوّاته توفير الحماية له.

ما يُثير الاستغراب في البيانات الرسميّة التي صَدرت عن قوّات الأمن الإسرائيلية توقّفها عند كَون مُنفّذ العمليّة الشهيد ليس له أي انتماءات أو أنشطة سياسيّة، ولم يَكن مُعتقلاً سابقًا، وجَرى فَحصه أمنيًّا قبل حُصوله على تَصريحٍ أمني للعَمل داخل ما يُسمّى بالخَط الأخضر بأجرٍ زهيد، وكأنّ هذا الشاب الذي يُواجه الإذلال والإهانات على المعابر، ويُتابع استشهاد أقرانه برصاص جُنود الاحتلال، ونَسف بُيوتهم وتَشريدهم في العَراء، ويَرى المُستوطنات تنتشر مِثل الفطر في أراضي أهله ومُواطنيه، بلا مشاعر وطنيّة، وأنه سَيكون عَبدًا مُطيعًا للاحتلال بمُجرّد مَنحه تصريح الإذلال لإعالة أهله وزوجته وأطفاله.

يَرتكب الإسرائيليون وداعميهم الأمريكان والأوروبيون خطيئةً كُبرى إذا اعتقدوا أن مُصافحة بَعض الحُكّام العَرب، وليس الشعوب، وزعاماتهم لهم يَعني نهاية القضيّة الفلسطينيّة، لأن هؤلاء مَسلوبو الإرادة، وقراراتهم غير مُستقلّة أو حُرّة، والأهم من ذلك أن إرادة المُقاومة بكُل أشكالها المَشروعة ما زالت قويّةً ومُلتهبة، وحتى وإن خَبت لفتراتٍ وَجيزة.

الإسرائيليون جَرى إعطاءهم فُرص ثمينة للسّلام، ولكنّهم أضاعوها تمامًا بغَطرستهم وجَشعهم، وفَضّلوا إقامة نظام عُنصري، وهذهِ الفُرص في تقديرنا لا تُعوّض، وباتوا أمام شعب فلسطيني يُؤمن بقيام دولته المُستقلّة على كامل التّراب الفِلسطيني في إطار من التّعايش والمُساواة.

نمر الجمل، هذا الشاب الهادئ ظاهرًا، المليء من الغَضب والكرامة باطنًا، لن يكون آخر الشّهداء حتمًا، طالما استمرّ الاحتلال والظّلم، ورَفض السّلام العادل، وكل ما يتفرّع عنهما من إهانات، وربّما لن يطول الزّمن لنَكتب افتتاحيّة مُماثلة، وفي هذا الحيز، وتأبينًا لشهيدٍ آخر انضم إلى قافلة الشّهداء.

أجهزة الأمن الإسرائيليّة ومهما امتلكت من قوّة وأجهزة حديثة لن تَمنع مِثل هذهِ العمليّات الفدائيّة حتى لو تضاعف التنسيق الأمني عشرين ضعفًا، فماذا تستطيع هذهِ القوّة، وماذا يستطيع أن يَفعل التنسيق الأمني بإنسانٍ شريفٍ أراد الشهادة؟ أن يُطلقوا النّار عليه لقَتله؟

إنّها قمّة الجَهل بهذا الشّعب المُقاوم، وقمّة الغَباء في طُرق التّعاطي مَعه وقضيّته، وكثير من الأوساط الفِلسطينيّة تُذكّر الإسرائيليين وكل داعميهم أن هذا الشاب أطلق النار على جُنود وليس على مدنيين، وما أكثرهم في المكان، على عَكس الحَضاريين الدّيمقراطيين الإسرائيليين.

“رأي اليوم”