بلدان الخليج و شرق أسيا مخاوف نووية مشتركة.. بردود فعل متباينة

tarek lisawi.jpg555

د. طارق ليساوي

من يتابع أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة، لاسيما خطابات رؤساء الوفود المشاركة، يستخلص أمرين غاية في الأهمية: الأول تعدد الأقطاب و تراجع الهيمنة الأمريكية على المشهد الدولي، وصعود فاعلين دوليين جدد لاسيما المحور الروسي/الصيني. والثاني هيمنة المخاوف الأمنية التي يشكلها الإرهاب و امتلاك دول صاعدة للقوة النووية خاصة إيران و كوريا الشمالية، ومقالنا هذا سيركز على المخاوف النووية، وسيحاول تحليل موقف بلدان الجوار، في كلا الحالتين تجاه المقاربة العسكرية، التي رفع شعارها الرئيس الأمريكي “ترامب”..

مبدئيا، نتفهم بعض المخاوف الإقليمية من انتشار السلاح النووي، فتخوف اليابان وكوريا الجنوبية تخوف مشروع و نفس الشيء تخوف بلدان الخليج من امتلاك إيران للسلاح النووي، لكن هذه المخاوف المشروعة، لا ينبغي أن تكون سببا في التصعيد الدبلوماسي و تجاوز الأعراف الدبلوماسية، والتهديد السافر باستعمال القوة العسكرية و غيرها…و لا ينبغي أن ننسى أن النادي النووي يضم الخمس الكبار في مجلس الأمن، و دول أخرى بما في ذلك دولة إسرائيل العدو الحقيقي للعالم العربي و الإسلامي، و كل الدول لها الحق في حماية نفسها ضد التهديدات الخارجية و لو بالحصول على السلاح النووي لردع خصومها..

فالسعي للحصول على السلاح النووي شكل أداة للردع و تحقيق توازن القوة، فالعالم حقق توازنا للرعب بعد تفجير الاتحاد السوفيتي للقنبلة النووية، و لم يسجل التاريخ بعد الحرب العالمية الثانية استعمال القنبلة النووية، فأول من اخترعها و استعملها هم الأمريكيون..و كان للسوفيات الفضل في حماية باقي الشعوب من الاحتكار الأمريكي لهذا السلاح، فلو استمر هذا الاحتكار، لكان على شعوب العالم دفع الجزية لسيد البيت الأبيض…

لقد فهم الأسيويون الدرس، فبالرغم من التفوق العسكري و التقني لليابان وكوريا الجنوبية ، وتوفرهما على القدرة المالية والعلمية للحصول على السلاح النووي، إلا أن خطابهم الدبلوماسي تجاه الجار الكوري الشمالي ظل محتفظا بقدر من الحكمة وضبط النفس، ولم ينجروا باتجاه خطاب الرئيس الأمريكي “ترامب” الذي فضل لغة التهديد و الترهيب و الوعيد، الأسيويون أدركوا بعقلانية أن القوة و العنف لن يخدم الاستقرار، و سيعيق مسار التنمية والتعاون بين بلدان الإقليم، فهذه البلدان بالرغم من العداوة التاريخية التي خلفها الاستعمار الياباني للكوريتين وللصين، إلا أنها نجحت في تغليب منطق المصالح والتعاون على منطق الصراع و الأحقاد..فالاستقرار القائم على المصالح خير من التوازن القائم على الرعب و القوة..

هذا المنطق لم يفهمه العرب و لاسيما حكام الخليج، فأن يتوجه و زير خارجية الإمارات بخطاب شديد اللهجة لإيران و بشكل غير دبلوماسي، وإطلاق الاتهامات   على العلن، وفي تجاوز للأعراف الدبلوماسية، فذلك أمر لن يحقق الاستقرار و المصالحة وحسن الجوار، ولسنا بصدد الدفاع عن إيران ، فلنا تحفظ شديد على سياساتها ذات النزعة الطائفية، ومشاركتها الفعلية في سفك دماء المسلمين في بلدان عربية، بدل أن توظف قوتها الناعمة والصلبة في استقرار بلدان الإقليم..

لكن وجه الاعتراض نابع من أن الانصياع لأجندة “ترامب”، ليس في صالح البلدان العربية و الإسلامية، فبلدان الخليج الأكثر تضررا من أي ضربة عسكرية، قد تتعرض لها إيران من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل، فمصالح الخليج ستتضرر حتى ولو لم تقم إيران بأي رد فعل عسكري ضد بلدان الخليج، فالمصالح الاقتصادية و المالية والتجارية متشابكة ، وممرات الملاحة البحرية لايمكن تأمينها في حالة نشوب أي نزاع مسلح…

فخطاب “ترامب” له ما يبرره فهو يسعى جاهدا لتحقيق مكاسب مالية، عبر استثمار المخاوف الأمنية لبلدان الخليج النفطية، و البلدان الأسيوية الغنية، فغرضه تغطية عجز الموازنة الأمريكية و تحقيق المكاسب المالية، التي تدعم شرعيته لدى المواطن الأمريكي، فعقليته السطحية و البسيطة تصور له، أن التهديد باستعمال القوة و استفزاز “الدول المارقة “، كفيل بتوفير قدر من الغنائم المالية عبر بوابة المظلة العسكرية المتفوقة و النزاعات الدولية و الإقليمية،  في إهمال واضح للمتغيرات الدولية، و صعود نجم قوى دولية فاعلة، و لها من الإمكانيات ما يؤهلها لإعاقة أجندة “ترامب” الاستفزازية …

فأجندة “ترامب” في شرق أسيا، من الصعب أن تثمر مكاسب مالية أو إستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة، فالصين لاعب إقليمي على درجة من الوعي و الإدراك لخطورة عسكرة شبه الجزيرة الكورية، و اليابان و كوريا الجنوبية لهم مصالح اقتصادية متشابكة مع الصين، و صعود الصين اقتصاديا أداة فعالة لاستقرار المنطقة، فبرغم من تزايد القوة العسكرية الصينية إلا أن القيادة الصينية، تدرك أهمية الاستثمار في الاستقرار الإقليمي، فحاجة الصين للأمن و الاستقرار و التعاون الاقتصادي و التجاري مع الجيران، لها أولوية سامقة في السياسة الخارجية للصين، فتحدي ضمان استمرار معدل نمو اقتصادي مرتفع، يمثل ضرورة حتمية لاستمرار الاستقرار السياسي و  الاجتماعي بالداخل الصيني…

لكن إذا رجعنا لتحليل أجندة “ترامب” بالشرق الأوسط، سنجد أن نجاحه راجع إلى ضعف بلدان الإقليم وتناحرها، و تدافعها “المرضي” باتجاه إرضاء السيد “ترامب” في ثقة عمياء بسياسته تجاه إيران والإقليم عموما، و غياب تصور إقليمي لدى قادة الإقليم، فحتى سياسات دول الخليج اتجاه إيران ليست موحدة أو على درجة من التناسق، فإيران نجحت في تفتيت الوحدة الجغرافية و الثقافية و الاقتصادية لدول الخليج، وهذا النجاح مكان ليتحقق لولا التهور السياسي الذي طبع سلوك حكام الخليج منذ غزو العراق، و إسقاط نظام “صدام حسين”، و ازدادت درجة التهور مع محاولة بعض بلدان الخليج، إعاقة التحول و الانتقال الديمقراطي السلمي في البلاد العربية بعد 2011، فكان من نتائج ذلك تغلل إيران في العالم العربي، باعتبارها قوة إقليمية منظمة و لها أجندة عمل متوسطة وبعيدة المدى، لكن ماهي الأجندة التي تمتلكها بلدان الخليج..؟

الواقع، أن الحقيقة التي لا يريد بعض حكام الخليج استيعابها، أنهم لا ينفذون أجندات تخدم مصالح شعوبهم وأمن وازدهار أوطانهم،بل ينفذون أجندات الغير بما في ذلك أجندة إيران، فإيران تستثمر في إضعاف بلدان الإقليم خدمة لمصالحها القومية والجيواستراتيجية، و ما يزيد من حدة هذه النزعة، تنامي الخطاب العدائي الغربي و من بلدان الجوار، وهذه الأخيرة ستتضرر لا محالة من أي توثر عسكري او دبلوماسي، بخلاف البلدان الغربية..فبلدان الخليج عندما استثمرت في الانقلاب على إرادة الشعوب، وأحبطت التحول الديمقراطي في مصر، وقبل ذلك ساهمت في تفتيت دولة العراق و اليوم سوريا، فقد أضعفت مجالها الحيوي و عمقها الاستراتيجي، فهذه الدول الثلاث كانت حاجز في وجه التمدد الإيراني..

فالحد من القوة الإيرانية لن يتم بإطلاق الخطابات المفعمة بالتهديد والوعيد، وإنما بوقف مسلسل الحرب الطائفية التي مسرحها بلدان عربية، فعلى مشارف بلدان الخليج تسفك الدماء بسلاح و مال عربي في الأساس، فالتحدي هو ترميم البيت العربي و إصلاح ذات البين ، و تغليب منطق الحوار و العقل، بدل الانصياع لمنطق الاستكبار و الاستعلاء، فالقوة العسكرية و التأمر في الغرف المغلقة لكسر إرادة الشعوب لم ينتج إلا الخراب و الدمار، فمن السهل الاستمرار في الهدم لكن من الصعب البدء في البناء، فالخليج والعالم العربي يعاني من تهديدات لا حصر لها، و لا بديل عن التنمية والوحدة و البناء و المدخل هو الحوار، وترجيح الحلول الوسط، وتغليب مصالح الأمة على مصالح الحكام، والحرص على الاستفادة من التجربة الأسيوية، فالتعاون والتنمية و تشابك المصالح يرسخ لقيم  السلم والأمن الاستقرار…و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون…

*إعلامي و أكاديمي مغربي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي