فرح مرقه: الثقافة والدين معاً في العالم العربي إلى المحرقة: جمال خاشقجي من مثقّف القصر إلى “مناصح” يضيق به منفاه.. وأزهريّ يغني للـ”ستّ” في برنامج “لكل امرأة مصرية”.. صدقوني القادم أعظم!.. “سوق عكاظ” يُستأنف في نيويورك ودونالد ترامب “معرّيّ” العصر الحديث..

 tttttttttttttttttttttt2-400x280

ليست مقابلة الصحافي المثقف جمال خاشقجي عبر شاشة DW الالمانية، ولا تقارير الامم المتحدة عن السجون والاعتقالات، ولا الخوف من جنازة احد مرشدي الاخوان المسلمين، ولا حتى مغالاة البعض بمدح الحكام في “خطب الجمعة”، هي ما تظهر الارتباك الكبير والتخبّط الذي يعيشه رجال الدين في العالم العربي، بل ذلك المشهد على التلفزيون المصري حين رأينا جميعا الشيخ الأزهري وهو يغني “للست” أم كلثوم “لسة فاكر”.

المثال لشدّة وضوحه بالنسبة اليّ كان مفاجئاً جداً، وللحظة شعرت- واعرف ان مثلي كثر- أن خلفه “كاميرا خفية” في مكان ما، ولكنها الحقيقة.. فالدعاة والأئمة والخطباء اليوم “انعجقوا” (مصطلح عامّي يعني الارتباك والتشويش)، فهم ما عادوا اليوم يعرفون المطلوب منهم تحديدا، وما عادوا يعرفون ما سيرفعهم ولا ما سيوصلهم للايقاف عن العمل أو حتى السجن، وباتوا يتخبطون كل لحظة أكثر.

هذا المثال البسيط، لم يكن حاضرا بهذه العفوية سابقاً، وكان شرح التخبط في العالم العربي بالمقابل يتطلب من الجميع الكثير من الجمل المنمقة والشرح والتوضيح، وهنا عمليّا لا اخص دولة دون سواها، فـ “الحساب يِجمع″- على الطريقة المصرية- وفي كل دولة عربية مثالٌ “أكبر من سابقه”.

**

الشيخ الأزهري ذهب على قناة اون تي في-مشكوراً- لبرنامج يعرّف عن نفسه بأنه “برنامج كل مرأة مصرية”، ما يعكس خوف المشايخ والدعاة لكونهم قد لا يعود لهم “مكان” اصلا في دولنا، ان لم يكن السجن كـ “أكباش فداء” أو المنافي في مختلف الدول.

المهم الرجل في “عزّ توهانه” غنّى “لسة فاكر” بحرقةٍ راقبتها جيداً، بينما اقتصرت الموسيقى المصاحبة له على “الدفّ والناي” وفقا للاداء الانشادي. طبعاً لن أتحدث عن “الزي الازهري المهيب ولا عن الحلال والحرام” وسأترك هذه الساحة لاصحابها- ان ظل لها أصحاب-، وسأكتفي بالتعليق على المشهد ذاته بالقول اني “لم أطرب أبدا” وان الاداء لم يعجبني، وهذا ليس مهمّاً اصلا في مشهد سيريالي كالمذكور.

خلاصته، في وطننا العربي قررنا مؤخرا أن نمنح “محرقة السياسة” وقودا كبيراً من الشيوخ والدعاة الذين ملؤوا مكان الكثير من العقول لاجيال؛ فقد سمحنا طيلة نحو نصف قرن ان يكون بعض رجال الدين ممن “هبّ ودب” ويُفتون في كل صغيرة وكبيرة، حتى في “شربة الماء”، فساهم بعضهم في نشر بذور الكراهية والتشدد في العالم العربي فعلاً. ثم قررنا اليوم، وعلى العكس من التطور الطبيعي في الثقافة والفكر في الكوكب، كون الساسة أساساً لم يتركوا للشعوب العربية عملياً بديلا عن الشيوخ والدعاة، أن نحجّمهم ونعلن عليهم المعركة طلباً للتنوير والحداثة، بينما معظم الشيوخ لم يعلموا كيف جاءتهم السلطة ولا كيف سُحبت منهم، خصوصاً وهم لم يخوضوا معركة فكريّةً مع أحد بعدما أسهم ذات الساسة بحرق اليسار واليمين وما بينهما سابقاً.

المرحلة القادمة أقل ما قد نراه فيها “شيخاً يغنّي للستّ” بعمامته، صدقوني!

**

ظهرت صعوبة “إزالة الغترة” والمكوث في “نيويورك” والكتابة لصحيفة “واشنطن بوست” على الكاتب السعودي المثقف جمال خاشقجي، بوضوح وهو يخرج في لقاء نادر ويقول بملء فيه “هذه ليست السعودية التي أعرفها” ضمن تأكيده لموقفه المعارض لحملة الاعتقالات التي شملت “الاخضر واليابس″ في بلاده.

الرجل الذي كان دوما في صف الحكم والقصر الملكي والبلاد في السعودية، وقارعه نظام الحكم عدّة مرات التحق بركب الذين “جارت عليهم بلادهم”، فاضطر للذهاب الى ما اسماه “منفاه” في نيويورك لـ “ينصح ويناصح بلاده” التي يحبها، كما قال في لقاء تلفزيوني على القناة الألمانية.

خاشقجي طيلة اللقاء، وهو يكرر بحرقة انه “ليس معارضاً” وان “التخوين ليس نهج الدول المتحضرة”، إلا انه على ما بدا لي “لبِس التهمة في بلاده وانتهى” للأسف، فكل خسارة لمثقّف في بلادنا لن تعوّض بأشباه الاخيرين.

وهو الأمر المحزن تماما وما يؤكّد ما قلته سابقا: بتنا لا نقبل بالشيخ ولا المثقف المستنير ونطالب الشعوب بالهدوء.. كيف؟!.. لا أحد يدري..

**

تذكّرت كل ما قرأته في حياتي عن “سوق عكاظ” وأنا أتابع الكلمات المتلاحقة على منصّة الأمم المتحدة طيلة الأسبوع الماضي بدءاً من كلمة ” معرّيّ” العصر الحديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو يلعن كل شيء ويشتم كوريا الشمالية تارة وايران اخرى وصولا لفنزويلا وكوبا تارة ثالثة، ليفتعل ذلك “الآكشن” المطلوب لمعظم من لحقوه بكلماتهم.

كل من صعدوا المنصّة لاحقاً ممن ذكرهم في “قافيته” رجل البيت الأبيض، باتوا يردّون لاحقاً لنشعر أننا فعلا لسنا نتحدث عن سياسة وحنكة وذكاء، وانما هي “انفعالات وردود أفعال وجنون” كتلك التي يخلقها المزاج الشعريّ المرتفع ليس أكثر.

كل الجدليين اعتلوا المنبر، فاستمعنا لأمير قطر تميم بن حمد ووزير الخارجية السوري وليد المعلم، ووزير الخارجية السعودي والرئيس المصري وصديقه الاسرائيلي، وغيرهم، إلا ان الخطر كان حين شعرنا فعلاً وبغضّ النظر عن موقف نبيل هنا أو قضية محقّة هناك، أن منصّة الأمم المتحدة ما عادت أكثر من “سوق عكاظ” يتبادل فيه القادة كلماتهم ثم يغرقونا بغارة هنا أو حرب هناك على طريقة الجاهلية العربية مجدداً..!

*كاتبة أردنية