إلتفاف سياسي مؤثر..الأمير الهاشمي حسين بن عبدالله تحدث نيابة عن والده وتجنب إحراج بلده..إنتقادات حادة للباحثين عن التسلح وجملة”الكلام الطيب لا يدعم الموازنة ولا يبني المدارس″ تلقى صدى واسعا وثلاثة عصافير بحجر الخطاب إصطادها نجل الملك

 ffffffffffffffffffff

برلين- رأي اليوم- فرح مرقه

تتقصّد عمان أن تصدّر للعالم خطاباً بلا “كياسة سياسية” على لسان ولي العهد الشاب الامير حسين بن عبد الله، وهي تتلمّس انها مقبلة على مرحلة “صعبة” إذ لن يكون لها على الأغلب أي دور “مركزي” في تسويات الإقليم الكبرى، رغم أنها جميعاً متاخمة لحدودها (اي التسويات).

بالاضافة لمستجدات الاقليم، فالجو الداخلي للبلاد مشحون اقتصاديا وسياسيا في الوقت الذي يزداد فيه الغضب الشعبي من الاوضاع الاقتصادية المحتقنة بالتزامن مع استحقاقات صندوق النقد الدولي، الامر الذي تحمّله القوى السياسية- كالعادة- للاداء الحكومي الضعيف خصوصا في ملف الاقتصاد، رغم استعراضات رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي الاخيرة وتنقله من اجتماع لاخر للفعاليات الاقتصادية المحلية.

من هنا يبدو ان الشخص الانسب كان الامير الغضّ الذي استطاع بالتفافٍ سياسي ذكي أن يقول ما تريد بلاده ايصاله للمجتمع الدولي ببساطة، لكونها تستشعر الكثير من الخذلان من المجتمع الدولي ككل، ثم يخصّ الامير الدول “المتسابقة على التسلح” باللوم، وهنا يدخل كل “اصدقاء وحلفاء عمان” في الدائرة.

تسليم الكلمة للامير عمليا جنّب الجميع الحرج، خصوصا وهو يقول كل الجمل العالقة في “حلق” الاردن، بعدما سهّل على نفسه المهمة بالقول في بداية سلسلة الانتقادات “ اسمحوا لي هنا أن أحاول، بالنيابة عن جيلي، أن أتلمس شيئاً من الوضوح وسط ضبابية المشهد، وأن أطرح عدداً من الأسئلة الأساسية بعيداً عن الكياسة السياسية، التي أعلم أنني سأكتسبها مع مرور الوقت.” ليبدأ بعدها بوضع الكثير من النقاط التي يحتاجها الاردن على الحروف.

ولي عهد عمان، والذي حمل منذ اطلالته الأولى قبل نحو ثلاث سنوات طلّة جده الراحل الملك حسين، وقف في الامم المتحدة، مستخدماً بذكاء صغر سنّه ليقول انه سيسمي الاشياء بمسمياتها وان “الكياسة السياسية المطلوبة” سيكتسبها مع الوقت، ليبدأ باتخاذ الاردن كنموذج للحديث عن بوصلة المجتمع الدولي المختلة خلال السنوات الماضية.

الكلمة التي القاها الامير استفتحها نجل الملك بالقول انها نيابة عن والده، الا انه عمليا قال كلمة لنم يقولها والده لو كان بمكانه، لاعتبارات سياسية مختلفة، ما جعل جملة من وزن “ بالتأكيد، يحظى الأردن بالتقدير والمديح بشكل مستمر على مواقفه الإنسانية والأخلاقية، ونحن فخورون بسمعة بلادنا، إلا أن الكلام الطيب لا يدعم الموازنة، ولا يبني المدارس، ولا يوفر فرص العمل.” كانت اقسى بكثير من الحديث الدبلوماسي للملك الاب.

وزاد الامير من حدّة الخطاب وهو يتحدث بلغة سليمة واداء مميز بالجزء الاخير من خطابه بالقول ” كيف لبلدٍ مثل الأردن أن يوفر ملجأ للملايين من اليائسين والمحتاجين، بينما يدور الجدل في دول أغنى بكثير حول قبول بضعة آلاف منهم؟  وماذا يعني لإنسانيتنا المشتركة أن العالم أنفق ما يقارب 1.7 تريليون دولار على الأسلحة في العام الماضي فقط، ولكنه فشل في توفير أقل من 1.7 مليار دولار استجابة لنداء الأمم المتحدة الإغاثي لدعم اللاجئين السوريين والمجتمعات المستضيفة لهم في دول مثل الأردن؟ وما الذي يعنيه أن تُنفَق التريليونات على الحروب في منطقتنا، بينما القليل ينفق للوصول بها إلى بر الأمان؟ ليس لهذه الأسئلة من إجابات شافية.”

وأضاف “فالواقع المؤلم هو أن اقتصادات الحرب آخذة بالازدهار لمنفعة القلة، بينما تستمر الاقتصادات الحقيقية في المعاناة مما يجلب الضرر على الجميع. وبالتالي، فإن الرسالة الموجهة إلى شباب الأردن ومنطقتنا واضحة: ليس هناك نقص في الأموال لمحاربة الشر، ولكن الرغبة في مكافأة الفضيلة تكاد تكون غائبة. وهكذا، تغرق أصوات الذين يدافعون ويبنون في ضوضاء من يعتدون ويدمرون. لا يستوي هذا المنطق.”

وختم بالقول “إذن، ماذا نقول لشعب الأردن؟ ما الذي يقوله المجتمع الدولي لشعبنا الفتي؟ هل نخبرهم أن القيم التي تحكم نهج حياتنا لا قيمة لها؟ هل نقول لهم إن البراغماتية تطغى على المبادئ؟ أو أن اللامبالاة أقوى من التعاطف؟ أم نقول لهم إنه علينا أن نتجنب المخاطرة، وأن ندير ظهرنا للمحتاجين، لأن أحداً لن يسند ظهرنا؟ إن الأمم المتحدة تمثل ضميرنا العالمي. ولكن، بالنسبة للكثيرين في بلدي ولغيرهم حول العالم الذين يحاولون أن يفعلوا الصواب، يبدو أن الضمير العالمي في “وضعية الصامت”.  (…) إن التزامنا بقيم السلام والاعتدال والتعاون الدولي راسخ لا يتزعزع. وعلى العالم أن يختار بين طريقين: فإما أن تُروى الشجرة المثمرة العطشى، أو أن يُصب الزيت على النار المستعرة.”

الأمير الشاب حظي بالتصفيق مرارا من الجمهور، خصوصا بعدما سمّى الامور بمسمياتها ووضع الامور بنصابها بالنسبة لبلاده، الامر الذي بدا فعليا مفاجئا للجميع، خصوصا وهو يوجه انتقاداته لكل من تعتبرهم عمان “حلفاء”، سواء الولايات المتحدة او السعودية او الامارات وقطر او حتى روسيا التي تعتبر عمان نفسها صديقتها وتثق بها.

جُمل الامير بكل الاحوال خصوصا امام الجمعية العامة للامم المتحدة، لن تبني هي الاخرى المدارس ولن تخلق فرص العمل، بل على العكس فهي على الصعيد الدولي، تساعد الاردن في اتخاذ بعض القرارات التي قد تكون “لا تشبهه” والتي منها على الاغلب الانفتاح على الجوار السوري بصورة علنية ومنه على حلفائه، خصوصا وعمان تساهم اليوم بـ “سحب المعارضة المعتدلة” من الاراضي السورية ونزع سلاحها، بالاتفاق مع الامريكان.

 من جهة ثانية، يسهم الخطاب المذكور بتثبيت الركائز الجديدة للاقتصاد الاردني والتي وضعها الملك عبد الله الثاني في حواره اليتيم مع وكالة الانباء الاردنية مؤخرا عن اهمية الاعتماد على الذات وعدم انتظار المساعدات، والتي تبعتها تصريحات مدير صندوق النقد الدولي في المنطقة عن اهمية الاصلاح الاقتصادي في المنطقة.

ثالثا، خطاب كهذا يسوّق عمليّا الامير الشاب على انه شخصية سياسية مراقبة واعية ناضجة و”شجاعة” الامر الذي يسهّل له اي دور سيضطلع به لاحقا في البلاد، بعدما انهى دراسته الجامعية والعسكرية قبل اسابيع، خصوصا في ظل تسريبات عن كون الملك عبد الله ذاته يهيء ابنه لتسلم العرش خلال ثلاثة اعوام.

بكل الأحوال، يتخلى الأمير الأردني الشاب ببساطة عن “كياسته السياسية” طوعاً، والاردنيون كما المجتمع الدولي، يدركون انها لا تنقصه، الا ان عمان ببساطة تريد ان تقول عبر ولي عهدها اليوم أنها ما عادت تعبأ  أبداً بتطورات المنطقة طالما هي خارج الحسابات الاقليمية فيها، وطالما تخرج “من المولد بلا حمص” حسب المثل الشعبي الدارج.