خطاب عباس.. بين الاستجداء والغياب الاستراتيجي

 

jawdat manna.jpg5555

د. جودت مناع

قد يختلف المراقبون حول خطاب عباس في مقر الأمم المتحدة بنيويورك الذي بدى خاليا من استراتيجية جديدة.

هناك معسكران أولهما يؤيد بقوة سياسة عباس التي أوصلت الشعب الفلسطيني إلى ما هو عليه الآن.

فبرغم إقرار عباس أن سلطته بلا سلطة ودولة فلسطين بلا أرض بعد مرور أكثر من عقد على وجوده في السلطة إلا أن هذا المعسكر متمسكا به كرئيس وقائد.

أما المعسكر الثاني وهو المعارض  لم يتأخر عن توجيه الانتقادات لمضمون الخطاب باعتباره توسلا وتكرارا.

هذا المعسكر الذي يفتقد لخيارات بديلة تواجه قوة العدو الذي بات يسيطر على الوطن بكامله و أو حلحلة السياسة الأمنية والاستراتيجية الفلسطينية التي تراوح مكانها.

الخطاب جاء ليعرض استخلاصا لحقائق أهمها اعتراف عباس أن اتفاق أوسلو قد سقط، وإن كان ذلك على مضض. ومضمون الخطاب جاء ترجمة للرؤية الجماهيرية الفلسطينية وإن لم يحمل قرارات حاسمة.

إلا أنه وبعد مرور ربع قرن على اتفاق اوسلو وفشله ظل عباس يكابر فأراد إبقاء الشعب الفلسطيني عالقاً بهذا الاتفاق.

فبالإضافة للنقطتين التي أوردتهما هدد عباس بالتراجع عن الاعتراف بإسرائيل بقوله “إن الاعتراف محط تساؤل”. هذا الاعتراف الذي جاء محصلة لاتفاق أوسلو لا يلقى تأييدا شعبياً بعد تجاهل إسرائيل لاعترافها بدولة فلسطين بل مضى رئيس وزرائها الفاشي بالقول “إنه ليس احتلالاً”.

كما أن  اعتراف الأمم المتحدة بفلسطين  لم يكتمل بعد ولهذا حضها عباس على اتخاذ قرار بالاعتراف الكامل بدولة فلسطين أسوة باعتراف منظمة التحرير الفلسطينية ب “إسرائيل” وإن لم تبين حدود دولتها  المفترضة حتى اليوم.

وبعيدا عن العواطف أو سلخ ماضي الرجل عن مضمون خطابه الذي غلبت عليه “إذا الشرطيّة” وقد يكون الخطاب الأخير له في مقر الأمم المتحدة لا بد من الإشارة إلى هواجس ألقى بها على كاهل الشعب.

لم يحدث في التاريخ أن ظهر قائد شعب احتلت بلاده ليتوسل للعالم أن ينصف قضيته وهو خالي الوفاض من تحقيق انتصارات عسكرية، فالرئيس الراحل ياسر عرفات خاطب الأمم المتحدة بلغة مختلفة تماما ولم يلق البندقية من يده آنذاك.

وهكذا كان مانديلا وهوشي منه وعبد الناصر والجنرال جياب والقادة الذين قادوا شعوبهم نحو الحرية ضد الاحتلال والاستعمار والتمييز العنصري.

وفي فصل آخر من خطابه لم يوفق عباس في صياغة  الربط بين الإرهاب ونضال الشعب الفلسطيني.. العتب على مستشاريه الذين يكررون هذه الاسطوانة المشروخة، فإدانته للإرهاب المحلي جاءت غامضة لغياب إشادته بالنضال الفلسطيني ضد العدو ومغايرا لمواثيق الأمم المتحدة التي منحت الشعوب حق النضال باعتباره حقا مقدساً.

كما لم يكن هناك مبررا لربط الفشل السياسي بحمى الإرهاب العالمي الذي يستهدف استقرار الدول العربية وأمنها حتى الآن ولم يستهدف كيان العدو أبدا منذ تفعيل ما سمي ب “الفوضى الخلاقة” التي خُطط لها في واشنطن ولا زالت تداعياتها تلحق الدمار بالشعوب العربية.

فلماذا القول لا تتركوا الفرصة للإرهابيين العبث في غياب الحل السياسي في فلسطين المحتلة. وما شأن الإرهاب الدولي بالقضية الفلسطينية، فالإشارة إليه خاطرة خاوية من الذكاء.

إن الشعب الفلسطيني يعاني منذ أكثر 70 عاما مضت ولا يزال وليس قبل 50 عاما كما ذكر محمود عباس. وهذا انتقاص من المأساة التي حلت بالشعب الفلسطيني عام 1948 إن لم يكن شطبا لنكبة فلسطين.

نعم .. من حق أبناء المخيمات البعيدين عن اتخاذ القرار الصراخ في وجه أي كان لتحذيره من المس بحقهم في بيوتهم وممتلكاتهم.

كما أن مخاطبة الشعب والثناء على صموده لا يمكن تجزئته ولا يجوز الاقتصاص من مكوناته. الشعب الفلسطيني يعيش في قلب الوطن المحتل عام 1948 وفي مخيمات الشتات وعلى أطراف المدن المغتربة ولم يرد هذا في خطابه.

ويتحمل عباس غياب الصراحة السياسية  في خطابه وربطها بالبدائل هي التي حفزت نتنياهو على إطلاق أكاذيب مفادها أن “سيطرة جيشه على فلسطين ليست احتلالا بل تحريرا “.

لقد دلل خطابه على مقايضة مرفوضة حين ربط بين فشل حل الدولتين وعودته للمطالبة بحقوق الفسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948.

لقد كانت المناسبة فرصة لعباس لإعلانه قرارات أكثر وضوحا كربط الاعتراف بإسرائيل باعتراف متبادل وليس القول بأنه موضع تساؤل مما يعكس حالة ضعف وليس قوة.

وفي غياب سياسة المقاومة التي اتبعها عباس وطواقمه في الأجهزة الأمنية والحضور القوي لنهج السلام المزعوم الذي اتبعه منذ أن تولى السلطة فإن إنحاء اللوم على الأمم المتحدة كان يمكن أن يدفع بمطالبه قدما لو اتبع سياسة مغايرة وجنح نحو مقاومة العدو بدلا من مغازلته.

قد أتفق مع الاتجاه المؤيد في أن هذا الخطاب حمل رياح التغيير في بتوجيه رسالة إلى إسرائيل لكن هذا الخطاب يظل فقيرا ما لم يعزز باستراتيجية جديدة، وهذا الاحتمال سيظل ضعيفا طالما ارتبط بقيادة اتبعت هذا النهج ولم تبادر لتصحيحه أو التنحي بعد تداعياته الخطيرة على الشعب الفلسطيني.

لا يمكن وصف سياسة عباس وحكوماته المتعاقبة إلا بسياسة “الاحتكار والاستغلال” وانتقالا من ميادين الشرف التي خاضتها الثورة الفلسطينية إلى الأروقة السياسية الدولية التي لم تقدم للشعب الفلسطيني أبسط حقوقه وهذا ما اعترف به الخطاب.

احتكار السياسة واستغلال المواقع أمران أضرا بالشعب الفلسطيني الذي حرم من تحقيق غاياته وحصوله على الاستقلال الوطني الذي هو حاجة أساسية للحرية.

أن الشعب الفلسطيني كان ولا يزال من ضحايا حكومات الاحتلال التي عمدت إلى محاولات إعادة كتابة تاريخهم المميز ومحو هويته وتراثه وثقافاته، عبر فرض قيود وطريق حياة استعمارية” عليه.

لكن الأقسى على الشعب الفلسطيني إجراءات من هم في السلطة لتغيير ثقافة المقاومة برغم إدراكهم لفشلها.

كما وأن عجز الحكومات الفلسطينية  المتعاقبة، عن احترام حقوق الشعب الفلسطيني ونضاله وسقوطها في مستنقع الانقسام  يجعلنا نشعر بخجل كبير.

 إن السلطة التي يتزعمها عباس يجب أن تعزف عن اتخاذ قرارات صعبة وأن تترك ذلك لحكومة وحدة وطنية تحظى بثقة الشعب وأن عامل الوقت ليس مبررا بعد انتظار ربع قرن على توقيع اتفاق اوسلو والوصول إلى الوضع الراهن.

كما يتعين على القيادة المنتظرة  إجراء مراجعة شاملة للقوانين والسياسات المتعلقة برفع الحظر على المقاومة، الذي وقع في الماضي، وضمان حرية أفضل للشعب الفلسطيني للتعبير عن رأيه بحق تقرير المصير ومقاومة الاحتلال وليس بفرض أشخاص لقيادته وإقصاء آخرين لتمرير ثقافة الاستسلام.

كاتب صحفي فلسطيني