السعودية وحرب اليمن.. من يكتب نهاية الآخر

souliman saqaf

سليمان السقاف

لم يكن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مرشحا لجائزة نوبل للسلام كي يقلق على سمعته بسبب حربه في اليمن، كما أن سجل السعودية الخارجي أصلا ليس بذاك السجل المشرف حتى يخشى عليه الرجل، فلطالما دأبت دولته طيلة عقود على إلحاق الأذى بجيرانها جميعا -فقط- لتثبت لواشنطن جدارتها بالصداقة معها، وبرغم أن انتهاجها لسياسة “كسر الجرة” من أجل ملعقة عسل أفضت إلى تحلل خطوط سايكس بيكو القديمة، وفتحت الخارطة أمام الأطماع الاقليمية (اسرائيل-إيران-تركيا) لتكون السعودية أبرز الخاسرين، فإن دولة إعتادت تهشيم “أواني” الأشقاء لمجرد “أطماع بسيطة” كيف يمكن لها أن تكبح نزقها في مواجهة “مخاوف واسعة” تهدد بقاءها ووجودها ذاته، أو كما يعبر عنه اليمنيون باللهجة الدارجة “مجنونة..زِدْ يلاحقوها الكلاب”.

وفي خضم معاركها المتعددة تأتي اليمن في صدارة أولوياتها، ومع ذلك فهي جزء من صراعها الاقليمي وانعكاس له، وهو الصراع الذي تخوض فيه معتمدة علي أرصدتها المالية والسياسة، وما عداه فلا يخدمها، فالسعودية لم تلتحق بعد بالنادي النووي حتى تضع رأسها برأس “إسرائيل”، وجهودها النووية اقتصرت في تمويلها السري للقنبلة الباكستانية، والإشكال هنا أن “القنبلة الاسلامية” ليس لديها نفس رغبة العمال الباكستان بالقدوم للمملكة ولو لعمرة سياحية، ثانيا ليس للمملكة منظمات مسلحة (كحماس وحزب الله) على حدود “إسرائيل” لتعادل بها ميزان القوى مع كل من تركيا وإيران، ويستحيل أن تفعل ذلك وتغضب أصدقاءها بالجوار ووراء الأطلسي، ثالثا أنها إلى جوار منافسيها من أنظمة إقليمية ديمقراطية تبدو مثل ديناصور في سباق للسيارات السريعة، ولا أظنها لازالت منخدعة بقبولها من البريطانيين قبل قرن فقد كان بمثل تقديرهم لقطعة فخار بدوية قديمة ورديئة الصنع لمجرد أن لها تاريخ، بخلاف معايير عامة الأمريكيين الذين يعتبرون التاريخ بدأ توا من انشتاين وتمثال الحرية وكرة الرجبي.

ثم نخلص أخيرا لثغرة إيدلوجية “وهابية” يمكن أن يمرق منها قطيع من الأفيال فبرغم أن أهمية “خادم الحرمين” لدي الوهابيين -ربما- تناظر مكانة الحجر الأسود بالنسبة للكعبة إلا أنها تنعدم بزوال سيطرته على”الكعبة” ذاتها، ولو حدث وانتزعت خيول المغيرين مفاتيحها منه، فعندئذ لن يستطيع رجال الوهابية تغيير قاعدتهم الفقهية المعروفة بطاعة ولي الأمر -الجديد- ولو جلد الرعية وأخذ أموالهم، مما يقلل من كون الجماعة السلفية “إحتياطيا إستراتيجيا” حقيقيا مقارنة بالجماعات الشيعية – المحسوبة على إيران، أو كجماعة الإخوان بالنسبة لتركيا.

ولجانب هذه العوائق دخلت المملكة حربها في اليمن ببقايا غطاء أمريكي بات يكلفها مئات المليارات مع أنه لا يكاد يستر العورة، ومواقف سياسية روسية ثمنها رشاوى باهضة، في الوقت الذي تسعى للمقايضة بنفوذها في أماكن أخرى، كل ذلك خصيصا لأجل الملف اليمني، بينما أن رصيدها الشعبي في اليمن هو مخزون استراتيجي من النقمة والغضب تجاهها، ولولا حماقات تحالف الحوثيين-صالح والمعارضة الشعبية تجاههما لما وجدت الرياض تأييدا بالمرة، أما رصيد المليارات المهدورة لشراء الولاءات من أصغر شيخ إلي رئيس الجمهورية فيتوزعون جميعهم اليوم بين خصوم تريد هزيمتهم، وحليف لا تريد له أن يربح -حزب الإصلاح-،  وبالتالي فمع الافتقار لحليف “استراتيجي” على الأرض فإن ربح المعركة لا يوازي بالضرورة ربح الحرب، بينما أن الاستمرار بسياسة استنزافهما معا -الحوثيين والاخوان-كما هو واقع الحال- فيتطلب حربا أطول مما يجب ومما يطاق، وهنا يتصدر السؤال الكبير، من الذي يستنزف الآخر فعلا?.

ولست أجزم إن كان الأمير الشاب يعي الدروس المستقاة من تاريخ الحروب العسكرية إجمالا، فالحروب الطويلة هي إستنزاف وهدر للمخزون البشري وللخزينة العامة ومخازن الذخيرة، ولا منطق بفرضية تحقيق “مكاسب استراتيجية” من خلالها، ومع ذلك اندفع لحرب بلا أهداف عسكرية محددة، وبلا أهداف سياسية لما بعد الحرب، وبالتالي فإنه حتى لو توافر له خيار الحسم منذ أيامه الأولى بحرب خاطفة، فليس أقل صعوبة عليه من الاستمرار في القتال، وهذا شأن من لا يمتلك الحلول، وهنا تكمن الصعوبة الحقيقية.

ربما تعول الرياض على استدراج صالح نحو فك التحالف مع الحوثيين والتحالف معها بالتوازي مع بناء جماعة سلفية في الجنوب وتعز إضافة لقوي جنوبية جديدة من بقايا الحزب الاشتراكي لمعادلة الكفة مع صالح، وهو خيار قد ينجح، لكنه قد لا يدوم طويلا، وليس أمامها إلا أن تساعد على -أو لا تعيق- بناء خارطة توازنات حقيقية -غير مفتعلة- تمثل ألوان الطيف اليمني بشكل صادق يضمن له الديمومة، ويضمن لها الأمان.

وباستثناء التعويل على ما سبق توا فلا أظن المملكة شنت حربها سوى لاشغال هذا المنجم البشري -اليمن- من اقتحام الفراغ الجغرافي الكبير في خارطتها السياسية بهذا الكم الوافر من الألعاب النارية التي تصرف نظرهم وتشتت تركيزهم، وبقدر صحة هذا الافتراض تصدق فرضية أن الحوثيين تكتل كبير للحمقى لأنهم من منحها الذرائع الكافية لتدشين هذه العاصفة، أما العاصفة السعودية فعليها أن تعترف بٱنها إذا لم يكن لها نهاية قريبة فإن نهاية السعودية باتت أقرب.

كاتب يمني