حسن محمد حسين حمدان: الهجرة إلى المدينة هي بناء دولة وبداية التفوق الاستراتيجي

hasan hamdan

حسن محمد حسين حمدان

من  بدايات الدَّعوة الإسلاميَّة ورسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – يعلَم أنَّه سيُخرُج من بلده، حيث أكد له ورقة بن نَوفَل حيث قال له : ” هذا النامُوسُ الذي نزَّل الله على موسى، يا ليتَنِي فيها جَذَعٌ، ليتَنِي أكون حيًا، إذ يُخرِجك قومك ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم :(أوَمُخرِجِيَّ هم) ؟! قال : ” نعم، لم يأتِ رجلٌ قطُّ بمثْل ما جئتَ به إلا عُودِي، وإنْ يُدرِكْني يومُك أنصُرْكَ نصرًا مُؤزَّرًا”.

 لأن هذه الدعوة هي  طراز فريد في مصدرها ومطلبها  فهي ليست دعوة ترقيعية، ولا تقبل بأنصاف الحلول، إنها دعوة  تغيير جذرية ،وسيقف في وجهها الحكام والطبقة السياسية السابقة   كيف لا وهي عقيدة سياسية وروحية  ، ولقد أدرك هذا الفهم حقيقةً المثنى بن حارثة الشيباني حين طلب منهم النبي – صلى الله عليه وسلم – النصرة؛ فقال المثنى كلاما دقيقا بعد أن سمع وأدرك المطلوب منه  قال فيما روي :(وَإِنِّي أَرَى هَذَا الأَمْرَ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ مِمَّا تَكْرَهُهُ الْمُلُوكُ)

 لأنها حقيقةً هي دعوةٌ لدولةٍ عالمية وليست دولةً عاديةً، بل دولة مبدئية عالمية تنتقل في مراحها من الدعوة إلى بناء الدولةِ ثم إلى التفوق الإستراتيجي العالمي، فهي ليست دولة وطنية ولا قومية ولا طائفية ولا فئوية، بل دولة عالمية تقتعد المكانة الدولية برحمةٍ وعدلٍ تخرج الإنسانية من هوى الأتباع والنزاع

 والحروب العبثية إلى رقي الإنسانية برسالة حق وعدل ،

والهجرة ليست حدثاً تاريخياً مضى وانتهى، ولا نزوحا   ولا هرباً من بطش وقتل ، وليست حمامةً وعنكبوتاً، كما أنهاليست قصةً وروايةً  تروى في المجالس  فتأسر النفوس؛ إنما الهجرة إعلان مرحلة جديدة  إنتقال من مرحلة الضعف والتعذيب والإضطهاد والسجن والملاحقات والمطاردات إلى مرحلة إعلان الدولة وهي بداية عهد جديد بكيان سياسي  من طراز فريد طريقة لفكرة عقائدية مبدئية سياسية، توجد هذه الفكرة بالحكم وتطبق أحكامها وتحملها للبشرية رسالة رحمة وعدل،

بعد إعلان الدولة ووضع الدستور  الجديد (وثيقة المدنية ) والأعمال السياسية التي قام بها رسول الله    انتقلت الدولة في مراحل عدة ابتداء من تثبيت نظام الحكم الجديد و العناية الفائفة بالنبتة السياسية أمام الرياح العاتية والأعاصير الداخلية والقوى المحلية والإقليمية ،  ثم إلى مرحلة توازن القوى مع الند الاقليمي آنذاك  (قريش)ثم وفتح مكة  مرحلة التفوق الإقليمي ثم طرق باب العالمية بغزوة تبوك  في زمن قياسي لم تشهده دولة في تاريخ البشرية  إلى مرحلة التفوق الإستراتيجي العالمي  والإنفراد ولقرون ، أي دولة تلك  وأي دولة ستكون غدا بإذن الله،على يد أصحاب المشروع السياسي المبدئي .

ولا نبالغ  إن قلنا أن أعظم حدث بعد البعثة هو الهجرة إلى المدينة بل هو حقيقة البعثة الإلهية برسالة الإسلام وهذا الأمر ليس مبالغةً في بيان عِظم الحدث، وإلا كيف نفهم أن يجعل المسلمون التاريخ منذ الهجرة وليس إعتمادَ غيرها، إنه دلالةٌ على أهميةِ ومكانةِ تلك الأحداث ومعظمها، حيث يوضح ابن الأثير سبب ذلك فيقول : ” أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر بن الخطاب أنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر الناس للمشورة فقال بعضهم أرخ لمبعث النبي – صلى الله عليه وسلم – وقال بعضهم لمهاجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر : بل نؤرخ لمهاجرته فإن مهاجرته فرق بين الحق والباطل” .

: وفي رواية (من يوم هاجر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وترك أرض الشرك….

و الهجرة حدثٌ سياسي متجدد لا زال قائماً عند عدم وجود كيان سياسي للمسلمين  وجب إقامته والهجرة له أو في حال وجوده مع اضطهاد لفئة من  المسلمين خارج سلطان المسلمين ودولتهم  وللتدليل على ما ذكرت فقد روى   ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهادٌ ونية وإذا استنفرتم فانفروا)، ومعناه عند أهل العلم: لا هجرة من مكة إلى المدينة بعد فتح مكة لأنها أصبحت بالفتح جزءاً لا يتجزء من دولة الإسلام (دار  الإسلام ). حيث انتفى هنا سبب الهجرة من مكة   وليس عموم  الهجرة، أما الهجرة نفسها فهي باقية، ولهذا جاء في الحديث الآخر الصحيح : ( لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة )، فمن كان في غير سلطان المسلمين تكون الهجرة عليه واجبة إن لم يتمكن من إقامة شعائر الإسلام  ، كما قال الله سبحانه : ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) الآيات (97-99) من سورة النساء ، قال الحافظ بن كثير رحمه الله عن هذه الآية: “*إن الآية تدل على وجوب الهجرة،  وذلك مجمع عليه بين أهل العلم ” .

والهجرة بمكانتها وعظمتها لا نعطيها جزءا من حقها بمقالٍ أو كتاب، ولكن سأقف عند نقطة مهمة لها علاقة بواقعنا الحالي، حول عودة دولة الإسلام في ظل الموقف الدولي الحالي والتشكيك بقيامها في ظل تشتت المسلمين وضعفهم وتخلفهم وتؤامرهم على بعضهم، بل والحرب الدائرة عليهم، يتحدث بعضهم عن طوبائية الطرح في شأن إقامتها ، واصفين إياه بالحلم  الخيالي الذي يدغدغ المشاعر، واصفين حملة مشروع استئناف الحياة الإسلامية الإنفصال عن الواقع، وأنهم أصحاب أحلام وردية مع سوداوية الواقع المؤلم، ومستشهدين بتجاربَ فاشلةٍ هنا وهناك  للأسف و إن صح وصفُ التجارب بالفشل وهي كذلك بلا شك، فلأن أصحابها لا يملكون مشروعاً سياسياً بتصورٍ واضحٍ  مباشر عن ماهية الدولة وأجهزتها ، وكيفية إقامتها، وكيفية المحافظة عليها، كما أقامها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وثبتها الخلفاء ومد سلطانها  الراشدون وحافظوا عليها إلى أن تم القضاء عليها في بدايات القرن العشرين.

والدعوة إلى كيان سياسي ليست كلمة تقال، وإنما مشروع سياسي يُتكتل عليه ويُعمل على إيجاد رأيٍ عامٍ منبثقٍ عن وعيٍ عام، ويحظى المشروع وحملتُه بالقبول، ليعطي أصحاب السلطان البيعة لحملة المشروع، إن كان سلطانهم ذاتيا، وإلا كان العمل على إعادة السلطان المغتصب أولا، ثم إعطائه لمن حظي ببيعية أهل الحل والعقد، ليكون خلف هذه البيعة سلطان وقوة تحميه، ولكن يجب أن يكون لدى حملة الدعوة مشروع سياسي واضح وكامل و هذا المشروع بين أيادي الأمة وعليه تكون البيعة والمحاسبة .

إن الطرح الطوبائي والحالم لا يوصف  به

-من ملك مشروعا سياسيا واضحاّ

-وكان في الأمة  مقدرات وإمكانيات ومقومات بناء الكيان السياسي

– مع العمل الدائم الذي يرتقي ويتناسب مع الغاية، وليس مجرد العمل أو ردات الفعل التي يغيب عنها العقل والتفكير،الحلم والطوبائية وصفٌ لمن لم يملك هذه النقاط الثلاثة .

وإني والله لفي عجب ٍمن هذا القول سواءاً أكان قائلهُ يساريا أو ليبراليا، فلقد وُصِفت بدايات الثورة البلشفية بل عرفت هذه اللفظة آنذاك  في روسيا  من القياصرة وبطانتهم وبعض المضبوعين بالواقع،  حتى قيل لهم إنكم تناطحون سوراً، فقال أحدهم – ردا على القائل – ” نعم هو سور ولكن نخره  السوس.  ووصفت أيضا الثورات في أوروبا قبل النهضة ووصفت  بدايتها بالحلم والغباء  والإنفصال عن الواقع  مع أنها أي تلك الحركات في روسيا وأوروبا   أقامت دولاً ونهضةً، وأثبتت الأيام أن من وصفهم آنذاك بالطوبائية والحلم، هو حقيقةً المنفصل عن  الأمة والشعب، ولا يعلم حقائق الأرض و ولا مكامن الثورة في الأمة والشعب . هذا الرد لليساريين و الليبراليين معا من تاريخهم الذي يعلمونه ويعلّمونه، أما إن كان من زعم هذا من المسلمين فدعني أذكره بما ورد في الهجرة مع سراقة أو إن شاء  ذكرته بما ورد في الخندق «لما كان حين أمرنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بحَفْرِ الخَنْدَقِ عَرَضَتْ لنا في بعضِ الخَنْدَقِ صخرةٌ لا نأخذُ فيها المَعَاوِلَ، فاشتَكَيْنا ذلك إلى النبيّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، فجاء فأخذ المِعْوَلَ فقال: بسمِ اللهِ، فضرب ضربةً فكسر ثُلُثَها، وقال: اللهُ أكبرُ أُعْطِيتُ مَفاتيحَ الشامِ، واللهِ إني لَأُبْصِرُ قصورَها الحُمْرَ الساعةَ، ثم ضرب الثانيةَ فقطع الثلُثَ الآخَرَ فقال: اللهُ أكبرُ، أُعْطِيتُ مفاتيحَ فارسٍ، واللهِ إني لَأُبْصِرُ قصرَ المدائنِ أبيضَ، ثم ضرب الثالثةَ وقال: بسمِ اللهِ، فقطع بَقِيَّةَ الحَجَرِ فقال: اللهُ أكبرُ أُعْطِيتُ مَفاتيحَ اليَمَنِ، واللهِ إني لَأُبْصِرُ أبوابَ صنعاءَ من مكاني هذا الساعةَ).

قال أحد المنافقين ردا على وعود رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مع حالة الضعف والخوف  آنذاك  والتي هي أشبه بواقعنا اليوم حتى قال أحد المنافقين ، ” كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! “.

 أقول له هل  كان كلام  رسول الله طوبائيا أو حلما ورديا أو كان  منفصلا عن الواقع كما تظن وتدعي ،أم دعواك هي البعيدة عن الواقع ، وإنني ناصح له أمين أن ينظر في قوله، وليعلم أنه حقيقة قول غير المؤمنين برسالة الإسلام و وعد رب العالمين،  ومذكرا إياك بقوله تعالى : ( ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما  ،من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا )، أما قول المنافقين والذين في قلوبهم مرض  ممن على شاكلتهم، قال الله تعالى عنهم : ( إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰؤُلَاءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

وأخيرا لقد وعدنا رب العزة بالنصر والتمكين وبشرنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كما ورد في حديث الإمام أحمد : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت). ونحن على موعد ووعد ( ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)

abubara71@hotmail.com