ما هو وجه الشبه بين خطة سموتريتش وخطة عرفات

 arafat55

بقلم: شاؤول أرئيلي

“خطة الحسم” لاوري أرئيلي وبتسلئيل سموتريتش من الاتحاد الوطني “البيت اليهودي” اعتبرت في نظر الكثيرين كتصعيد في الخطوات غير الديمقراطية التي يقودها هذا الحزب في السنوات الاخيرة. في حقيقة الامر ليس فيها شيئا جديدا يختلف عن الخط الفكري للحزب بطبعاته المختلفة منذ أيام المفدال الاخيرة، حيث بدأ موريدو الحاخام تسفي يهودا كوك وغوش ايمونيم، باحتلال المراكز القيادية وتقرير سياساته ونشاطاته.

شبكة القيم والافكار التي توجهه بشأن عودة الشعب اليهودي الى وطنه أُخذت بمعظمها من الرواية التوراتية حول احتلال البلاد من قبل يهوشع بن نون. وتريد محاكاتها بصورة كاملة. كان ذلك هو مناحيم فليكس في شهادته امام محكمة العدل العليا في قضية الون موريه سنة 1979 الذي شرح بصورة جلية كيف ان هذا التيار المسيحاني الوطني يرى عودة الشعب الى ارضه، وماذا يكتنفه (استوطنا… نظرا لاننا أُمرنا بوراثة الارض الذي اعطاها الله سبحانه وتعالى لابائنا… الاستيطان نفسه… ليس نابعا من اسباب أمنية وحاجات طبيعية بل بقوة الوعد، وبقوة عودة اسرائيل الى ارضه… حيث هكذا أُمرنا “تورثوا البلاد واسكنوا فيها لانني لكم اعطيت البلاد لترثوها” (سفر العدد الاصحاح 35، الآية 53). وهنالك يفسر الرابي ش.ي (وتورثوها من ساكنيها وحينئذ اسكنوا فيها) أي قبل الاستيطان اليهودي الجديد مطلوب تورث الارض من ساكنيها.

ان قرار المحكمة العليا الذي قبل الالتماس، كان عليه أن يقرر وللابد تفوق القانون على الاستخدام السياسي – الوطني الذي يقوم به هؤلاء المريدين للتناخ. القاضي لنداو قرر انه “في هذا الالتماس هنالك اجابة قاطعة على الادعاء الذي هدفه تفسير الحق التاريخي الموعود لشعب اسرائيل في التوراة، حيث أن هذا التفسير يمس بحقوق الملكية حسب قوانين الملكية الشخصية”.

ولكن مريدي الحاخام كوك (هرتسيا) ظلوا مخلصين سواء لفتواه الاصلية بان “هذه الارض لنا. ليس هنا مناطق عربية واراضي عربية، بل اراضي اسرائيل، حق ابائنا الخالد، وهي بكل حدودها التوراتية تعود الى سيادة اسرائيل”، او لمواقف شلومو غورن فيما يتعلق بسريان القرارات الدولية وقوانين الكنيست: “ليس بقوة اي قانون وطني او دولي ان يغير من موقفنا، وحقوقنا… ان حكم هذه الاراضي، حسب حكم التوراة، كأرض اسرائيل وتحت الحكم اليهودي في كل شيء وهنالك سيادة عليها جميعا، هي ملكية وحيازة يهودية.

على ضوء هذا يمكننا ان نفهم لماذا يقود الحزب اليهودي النضال في المحكمة العليا بسلسلة من التصريحات القاسية والمستفزة (“قضاة في مرمى الهدف”). بينيت وشكيد يسعيان لاقرار قانون يقيد تدخل محكمة العدل العليا في التشريع – وبالرغم من الكلام المعسول، من الواضح أن الامر يتعلق بمحاولة لاخضاع النظام الديمقراطي للدولة للهوية اليهودية بتفسيرها الوطني، من خلال المس بجمهور غير يهودي يعيش في اسرائيل.

في الوقت الذي يعمل فيه شكيد وبينيت باجتهاد على بناء المنبر القانوني الديمقراطي الموهوم (“قانون التسوية” وغيره) يوفر اريئيل وسموتريتش الخطة المطلوبة لتحقيق رؤيتهم، ويواصلون الخط الذي طرحه فليكس وغورن. لقد طرح سموتريتش عقيدته “خطة الحسم” بوضوح وبامانة كاملة. ليس بالتحديد في مؤتمر الاتحاد الوطني الذي عقد هذا الشهر بل في لقاء عقده في بداية شهر أيار مع شخصيات عامة من الصهيونية الدينية، كما كتب عن ذلك تومر بريسكو. لقد طرح امامهم نائب رئيس الكنيست بأن هدف الخطة هو “إنهاء كل أمل وطني فلسطيني”. حسب الخطة سيطرح على الفلسطينيين ثلاثة خيارات: ترك البلاد، السكن فيها بمكانة “ساكن”، نظرا لانه حسب رأيه “حسب الفتوى الدينية يجب أن يكون دائما في درجة أوطأ قليلا”، او أن يرفض ذلك وعندها جيش الدفاع الاسرائيلي يعرف ما عليه عمله. وعندما سُئل هل قصده ان يقتل عائلات، نساء وأطفال، اجاب سموتريتش “في الحرب كما في الحرب”.

الأساس النظري للخطة هو سفر يهوشع. حسب أقواله، أرسل يهوشع بن نون لسكان البلاد ثلاث رسائل بها الشروط الثلاثة المذكورة سابقا. وقد فسر الرامبام (الرابي موشيه بن ميمون) اذا لم يهرب هؤلاء غير اليهود، يجب ان تفرض عليهم تقييدات “ان يكونوا منحطين وسافلين،  ولا يرفعوا رؤوسهم في اسرائيل”. واذا عارضوا ذلك “لا يترك منهم نفس″، أي يقتلونهم جميعا. للعقيدة المسيحاني والوطنية والعنصرية لسموتريتش واريئيل سيكون هذا مرحلة اخرى في الطريق لتحقيق حلم حنان بورات، من مؤسسي غوش ايمونيم الذي كتب في التقديم لكتاب “ضد كل الخيارات” لحاجي هوبرمان: “ليس تجميع شتات، وليس قيام دولة وأمنها بل المداميك الاولى… امامنا أهداف اخرى كبيرة والتي هي جزء لا يتجزأ من الصهيونية وعلى رأسها اقامة مملكة الكهنة، اعادة الهدوء الى صهيون، انشاء مملكة بيت داود وبناء الهيكل – كنقطة انطلاق لاصلاح العالم”.

من المثير للاهتمام ان عملية الاعتدال الشكلية أيضا التي يمر بها أتباع الرابي كوهن، من “تورثوا الارض” من سكانها العرب الى اعطاء الامكانية لان يسكنوا فيها بمكانة “ساكن منحط”، ليست جديدة في تاريخ الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني. ياسر عرفات مر بعملية مشابهة ولكنها ليست مشابهة تماما.

في ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية البند 6 ينص على “اليهود الذين اقاموا اقامة دائمة في فلسطين حتى بداية الغزو الصهيوني لها يعتبروا فلسطينيين”. تصريح بلفور في 1917 اعتبر كـ “بداية الغزو الصهيوني”. بعد عقد من ذلك وفي خطابه في الامم المتحدة في 1974 عرض عرفات تنازلا عن مبدأ طرد اليهود من فلسطين العربية الديمقراطية عندما تقوم، والاعتراف بحقهم في البقاء بها اذا وافقوا على التنازل عن حقهم الوطني. هو لم يعتقد بان اليهود سيقبلوا هذا الشرط لبقائهم، ولكن خلافا لسموتريتش، فان عرفات تحدث عن مساواة في الحقوق لمن سيتبقوا وليس عن مكانة منخفضة.

في حين ان عرفات وبالاساس خليفته محمود عباس تخلوا عن هذه النظريات، والتي ما زالت حماس تؤمن بها مع تعديلات طفيفة، فان قادة البيت اليهودي متمسكون بموقفهم ويعملون على تحقيقه بطرق مختلفة وبخطط مختلفة (ليس في المدى الطويل فرق نوعي بين “خطة الحسم” لبينيت وخطة الحسم لاريئيل وسموتريتش).

جزء من الجمهور في إسرائيل شريك لهذه المواقف، ولكن معظمه يصعب عليه رؤية العلاقة بين المعتقدات السياسية والمعتقدات الاجتماعية  لهذا الحزب، وبين معتقدات الكثيرين في حزب الليكود. ان تحذير اسحق رابين الذي كُتب في كتابه “يوميات خدمة” في 1979 بان “رأيت في غوش ايمونيم ظاهرة خطيرة جدا – سرطان في جسد الديمقراطية الاسرائيلية. ضد معتقداتهم الاساسية التي تعارض الاساس الديمقراطي لاسرائيل، كان يجب شن حرب فكرية، تكشف المعنى الحقيقي لمواقف غوش ايمونيم وطرق عمله”. هذا التحذير ولسنوات لاقى آذانا صماء.

يبدو أنه فقط في اليوم الذي نفهم فيه جميعنا ان النضال اليوم ليس على كبر مساحة دولة اسرائيل او على وجودها وامنها، بل على طابعها، حكمها وقيادتها، نستطيع ان نوقف اولئك الذين يقودوننا الى هاوية سياسية، امنية واجتماعية واخلاقية.

هآرتس 20/9/2017