لسنا بحاجة الى حب، الفيدرالية هي زواج متعة

israel-palestinr-flag.jpg77

بقلم: أوري افنيري

لا أعرف متى تم اختراع العجلة ومن هو ذلك المخترع السعيد. ولكن ليس لدي شك بأنه تم اختراعها مرة ثانية وثالثة، وأن مخترعين كثيرين طلبوا لأنفسهم براءة الاختراع. ونفس الشيء بالنسبة للفيدرالية الاسرائيلية – الفلسطينية. فهي تبزغ في كل مرة كفكرة جديدة تماما. ومجموعة جديدة من المخترعين تعرضها بفخر على الجمهور الواسع. هذا فقط يظهر أنه لا يمكن قمع فكرة جيدة. لأنها ستظهر مرة تلو الاخرى. في الاسبوع الاخير تم طرح الفكرة في عدة مقالات من قبل مخترعين جدد، وفي كل مرة كنت سأقوم برفع القبعة لو كانت لدي قبعة.

في الواقع، الامم المتحدة قررت في 29 تشرين الثاني 1947 (القرار رقم 181) اقامة كونفيدرالية، رغم أنها لم تستخدم هذا المصطلح. وقد قررت اقامة دولتان جديدتان، الدولة اليهودية والدولة العربية (مع القدس كوحدة منفصلة)، وأن تشكل الدولتان “اتحادا اقتصاديا”. وبعد بضعة ايام اندلعت حرب 1948، وفي نهايتها لم يبق شيء من قرار الامم المتحدة.

هذه الحرب أوجدت “حقائق على الارض” – اسرائيل سيطرت على منطقة أكبر من المنطقة التي منحها إياها القرار، والاردن ومصر سيطرتا على ما تبقى، وفلسطين كفت عن الوجود، والاسم نفسه محي من الخارطة، وتم تهجير نصف الشعب الفلسطيني.

بعد الحرب مباشرة حاولت اقامة مجموعة من الشباب اليهود والمسلمين والدروز من اجل تشجيع اقامة دولة فلسطينية الى جانب دولة اسرائيل، لكن المبادرة فشلت. وفي العام 1954 عندما تمرد جزء من الفلسطينيين في الضفة الغربية ضد الحكم الاردني، قمت بنشر نداء لحكومة اسرائيل يدعو الى اقامة دولة فلسطينية. ولم يكن هناك أي رد.

بعد بضع سنوات فقط بدأت فكرة الفيدرالية الاسرائيلية الفلسطينية تتبلور. وفي العام 1956 قامت اسرائيل بمهاجمة مصر في اطار مؤامرة مع فرنسا وبريطانيا. هذا الهجوم أثار الاشمئزاز في اوساط عدد غير قليل من الاسرائيليين. وفي منتصف الحرب اتصل معي نتان يالين – مور، الذي كان الزعيم السياسي لـ “ليحي” واقترح أن نفعل أي شيء. في حينه كنت صاحب والمحرر الرئيس للمجلة الاسبوعية الاخبارية “هعولام هزيه”. وأقمنا مجموعة سميت “الشامي”. وكخطوة اولى قررنا صياغة وثيقة: برنامج جدي لاصلاح شامل لدولة اسرائيل. وقد كرسنا لهذه المهمة اكثر من سنة، وكنا حوالي 20 شخصا اجتمعنا مرة في كل اسبوع خصصناها للنقاشات المعمقة وقمنا بتقسيم المواضيع فيما بيننا وكان من نصيبي موضوع السلام مع العرب.

 قاعدة وجهة النظر الجديدة هذه كانت أننا نحن الاسرائيليين نشكل أمة جديدة – ليس خارج الشعب اليهودي بل كجزء منه، على سبيل المثال، استراليا هي أمة جديدة داخل المجتمع الانغلوسكسوني (هذه الفكرة لم تكن جديدة تماما. في الاربعينيات الاولى قامت مجموعة من الكُتاب والشعراء سميت بـ “الكنعانيين” واقترحت أمرا مشابها. ولكن “الكنعانيين” قاموا بنفي كل علاقة مع الشعب اليهودي في الشتات، ومجرد وجود أمة عربية أو أمم عربية). موقفنا كان أن الأمة “العبرية” الجديدة هي جزء من بلاد الشام. ولهذا فهي تشكل شريكا طبيعيا للأمم العربية. لقد رفضنا استخدام اسم “الشرق الاوسط” الذي هو مصطلح اوروبي امبريالي. شرق لماذا؟.

 في الـ 12 بند قمنا بوضع مبنى الفيدرالية التي ستتكون من دولة اسرائيل ودولة فلسطين، فيدرالية تكون مسؤولة عن الاقتصاد والامور المشتركة الاخرى للدولتين. مواطنو أي دولة من الدولتين يمكنهم حرية الحركة داخل اراضي الدولة الاخرى، لكن ليس الاستيطان فيها بدون تصريح. وقد اعتقدنا أنه مع مرور الوقت ستكون هذه الفيدرالية جزء من الكونفيدرالية لكل دول بلاد الشام في منطقة غرب آسيا وشمال افريقيا. وعملنا على الفصل التام بين الدين والدولة، والهجرة الحرة، وعلاقات مع الشتات اليهودي في العالم والاقتصاد الاشتراكي الديمقراطي. الوثيقة التي أطلقنا عليها اسم “البشير العبري” تم نشرها قبل أن يكتمل عقد على اقامة الدولة.

كريستوفر كولومبوس، الرجل الذي اكتشف امريكا، سئل كيف نجعل البيضة تقف. فقام بضرب طرف رأس البيضة على الطاولة فوقفت. ومنذ ذلك الحين تحولت “بيضة كولومبوس″ الى مصطلح في لغات عديدة وفي اللغة العبرية ايضا. وهي تمثل التفكير خارج الصندوق. إن فكرة الفيدرالية في البلاد هي بيضة كهذه. وهي تربط بين مبدأين. الاول، المنطقة بين البحر المتوسط ونهر الاردن هي ارض واحدة. وكل شعب من الشعبين، الاسرائيلي والفلسطيني، سيعيش في دولة مستقلة خاصة به. “ارض اسرائيل الكاملة” و”فلسطين الكاملة” هي شعارات يمينية. وحل الدولتين هو شعار يساري.

 في هذا النقاش فان الفيدرالية والكونفيدرالية تستخدم بصورة مختلطة. وعموما، مقبول أن يكون في الفيدرالية قوة أكبر في أيدي الحكومة المركزية. في حين أنه في الكونفيدرالية هناك صلاحيات أكثر في أيدي الوحدات التي تشكلها. ولكن الفارق ضبابي. الحرب الاهلية الامريكية جرت بين الكونفيدرالية الجنوبية التي أرادت الاحتفاظ بالسلطات الاساسية في أيدي الدول التي تشكلها وبين الفيدرالية الشمالية التي أرادت الاحتفاظ بمعظم السلطات في أيدي الحكومة المركزية.

العالم مليء بالفيدراليات والكونفيدراليات، وكل واحدة مختلفة عن الاخرى نتيجة جغرافيتها ومزايا شعبها وتاريخها وما تحبه وما تكرهه. الدول الاعضاء في الفيدرالية غير ملزمة بمحبة الواحدة للاخرى، بل يمكن لذلك أن يكون زواج متعة.

وعودة الينا، فكرة الفيدرالية أو الكونفيدرالية الاسرائيلية الفلسطينية، تبدو فكرة بسيطة، لكن الامر ليس كذلك. قبل كل شيء هناك فجوة كبيرة بين مستوى الحياة للاسرائيليين والفلسطينيين، والاقتصاد الفلسطيني سيكون بحاجة الى مساعدة كبيرة من قبل العالم الثري، وستكون حاجة للتغلب على الكراهية التاريخية بين الشعبين، التي لم تبدأ في 1948 أو في 1967، بل بدأت مع قدوم المهاجرين الجدد في 1982، “الهجرة الاولى”. وهذه ليست مهمة للسياسيين، بل هي مهمة الأدباء والشعراء والفنانين والمؤرخين. وأنا على قناعة بأن هذا سيكون أسهل كثيرا مما يبدو الآن. في المستشفيات وفي الجامعات وفي المجمعات التجارية وفي مظاهرات السلام المشتركة تم بناء الجسور.

 إن حقيقة أن فكرة الفيدرالية تعود للظهور بين الفينة والاخرى، تشير الى ضرورتها. ومن يقومون بطرح هذه الفكرة الآن لم يكونوا قد ولدوا عندما طرحنا الفكرة لاول مرة، لكن رسالتهم تبدو رسالة جديدة وطازجة. ونحن نأمل لهم النجاح.

هآرتس   22/8/2017