النّزعات الاستقلاليّة الكُرديّة والدّعم الأمريكي الغَربي لها يُقرّب بين إيران وتركيا ويَدفعهما إلى توقيع اتفاق عَسكري استراتيجي لمُواجهتها.. أين سوريا والعِراق من هذا التّقارب؟ وهل سيُلغي البارازاني الاستفتاء؟ وما هو البَديل؟

ardogan-and-rohani.jpg55

صَفحات التاريخ مليئةٌ بالحُروب والتوترات بين إيران الفارسية، وتركيا العثمانية، فالصّراع بين هاتين القوّتين الإقليميّتين العُظميين لم يتوقّف، ولا نعتقد أنه سيَتوقّف، فهو يَقوى ويخبوا حسب المصالح والتطوّرات، ولكن هذا لا يَعني أن هناك “هدنًا” وتحالفات مصلحيّة تَفرضها المُتغيّرات الجيوسياسية.

الزيارة التي قام بها الجنرال محمد حسين باقري، رئيس هيئة الأركان العامّة للجيش الإيراني إلى أنقرة يوم 15 آب (أغسطس) الحالي، واستقباله من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تُعتبر من الزيارات الرسميّة النادرة على هذا المُستوى، وخاصّةً في هذه الأيام التي يُقاتل فيها البُلدان في مُعسكرين مُتواجهين على الأراضي السورية.

براغماتية البلدين حتّمت التركيز على التعاون الاقتصادي أو التجاري تحديدًا، وَوضع الخِلافات السياسيّة والعسكريّة جانبًا، ولو إلى حين، وهذا ما يُفسّر زيارات مُتبادلة بين الرئيسين رجب طيب أردوغان وحسن روحاني، والحَديث بعد كُل لقاء عن تطوير التبادل التجاري، ورَفع مُعدّلاته الحاليّة إلى ثلاثة أضعاف، أي حوالي 30 مليار دولار سنويًّا، وربّما يفيد الدولتين المأزومتين اقتصاديًّا، سواء بسبب العُقوبات الأمريكية، مثلما هو حال إيران، أو الخلافات السياسية مع أوروبا ودول الجوار، مثلما هو حال تركيا.

حالة “النّهوض” السياسي والعَسكري الكُردي المَدعومة أمريكيًّا حتّمت اللّقاء التركي الإيراني، وتوصّل الجانبين إلى اتفاقٍ عسكريٍّ استراتيجي بينهما لمُواجهة هذا الخَطر الذي يُهدّدهما، وبعدما اتضحت النوايا الأمريكية بدعم قيام كيانٍ كُردي مُستقلٍّ يَمتد على طُول الحُدود التركية الجنوبية، وبِما يَشمل سورية والعراق وإيران.

الولايات المتحدة الأمريكية باتت تعتمد الأكراد الحليف المَوثوق في المنطقة الذي يُمكن الرّهان عليه في مُواجهة المشاريع الإقليميّة التركيّة والفارسيّة والعربيّة، ولذلك باتت تُعزّز رِهانها هذا بتسليح الأكراد بأسلحةٍ ثقيلةٍ مُتطوّرة، تحت ذريعة مُحاربة “الدولة الإسلامية” أو “داعش”، وإنهاء وجودها في العراق وسورية، ولعلّ وضع إيران كُل ثُقلها خَلف قوّات مُكافحة الإرهاب العراقية، المَدعومة بقوّات “الحشد الشعبي”، لاستعادة الموصل، كان أحد أُطر مُواجهة هذا المشروع المُتوقّع أن يتكرّر السيناريو نفسه في معركة الرقّة ودير الزور، أي دعم الجيش العربي السوري للقِيام بهذه المُهمّة، لإلغاء، أو تحجيم، دور قوّات سورية الديمقراطية ذات الغالبية الكُردية.

تفاصيل الاتفاق الاستراتيجي العسكري الإيراني التركي ما زالت سريّة، ولم يتم أي تسريب حول بنوده، أي الاتفاق، وهذا أمر مُتوقّع لأن حاله حال جميع الاتفاقات العسكرية الأُخرى المُماثلة، لكن ما يُمكن التكهّن به في هذه العُجالة، أن هناك تصميمًا من قبل الجانبين، التركي والإيراني، على عدم قيام دولةٍ كُرديّةٍ، ومَنع أي تطبيقٍ لنتائج الاستفتاء حول الاستقلال الذي ينوي السيد مسعود البارازاني إجراءه في كردستان العراق في الأيام القليلة المُقبلة، حتى لو أدى ذلك إلى اللّجوء للخيار العسكري.

لا نستبعد أن يكون الجانبان التركي والإيراني قد توصّلا إلى “تفاهماتٍ” بشأن سورية حول ضَرورة بقاء النظام وجيشه، للانضمام إلى التّحالف العَسكري الجديد، وهذا ما يُفسّر التصريحات التي نُسبت إلى أكثر من مَسؤول سوري، وآخرهم فيصل مقداد الذي أكّد أن سورية ستستعيد كل أراضيها التي خَرجت عن سيطرتها، ولن تَسمح لاي قوّاتٍ أُخرى غير الجيش السوري باستعادة الرقّة وباقي المُدن الأُخرى، وما يُؤكّد هذا الافتراض أن الرئيس التركي أردوغان، وباقي المَسؤولين الأتراك، باتوا ينأون بأنفسهم عن الإدلاء بأي تصريحاتٍ تُطالب بتنحّي الرئيس الأسد، ويُنسّقان بشكلٍ مُكثّف مع إيران وروسيا في المَعركة المُقبلة في إدلب لإنهاء سَيطرة هيئة تحرير الشام، النصرة سابقًا، عليها.

التّحالف التركي الإيراني السياسي الذي بَدأ في مُفاوضات آستانة، والعَسكري لمُواجهة النّزعات الانفصاليّة الكُردية يَتطوّر بُسرعةٍ، وربّما يَكون أبرز تطوّرات المَنطقة في الأسابيع والأشهر والسّنوات المُقبلة.

“رأي اليوم”