دعوات التطبيع مع دمشق تكشف جذور الانقسام التونسي

sibsy

تونس ـ عادل الثابتي:

لا يزال السجال مستمرًا في تونس، إثر زيارة وفد نقابي إلى دمشق نهايات يوليو/ تموز الماضي، ومطالبته بالتطبيع معها، رغم القطيعة الرسمية، بسبب الحرب السورية، المستعرة منذ نحو 6 سنوات.

وكان “بو علي المباركي”، رئيس الوفد، الذي يمثل الاتحاد العام التونسي للشغل، قد قال، عقب الزيارة، إنه يعتزم لقاء وزير الخارجية خميس الجهيناوي، لحثه على إعادة العلاقات مع سوريا.

وفي فبراير/ شباط 2012، أعلن الرئيس التونسي آنذاك، المنصف المرزوقي، قطع العلاقة مع النظام السوري، احتجاجًا على الانتهاكات التي تعرض لها السوريون، خلال ثورتهم، التي اندلعت في 2011.

ورغم القطيعة الرسمية، استقبلت دمشق، عدة وفود من نواب معارضين، كان آخرها، وفد ترأسته، في الأسبوع الأول من أغسطس/ آب الحالي، النائبة اليسارية مباركة البراهمي، من الجبهة الشعبية، الحائزة على 15 مقعدًا من أصل 217 مقعدًا بالبرلمان.

وفيما لم يظهر أي تجاوب حكومي مع مطالب النقابة، مقابل دعم فصائل معارضة، جزم المباركي، أن “قطع العلاقات مع سوريا كان موقفًا خاطئًا، لا يستجيب لوجدان الشعب التونسي”.

** الانقسام الداخلي

ويعتبر النقابي التونسي منتقدي زيارة وفده لسوريا، “في حالة اصطفاف إلى جانب المجموعات السلفية والإرهابية. إنهم أداة عند الغرب في الحرب ضد سوريا، هم من سفّر الإرهابيين إلى هناك”.

وبحسب أمين عام الاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي، فإن مؤسسات الدولة يجب أن “تفكر مليًا في عودة العلاقات مع سوريا”.

تصريحات الطبوبي، التي جاءت بعد الزيارة، كانت أقل صراحة في دعم النظام، حيث أفاد بأن الانتفاضة السورية “لو كانت ثورة هادئة بين شعب وحاكم، فهي أمر طبيعي، أما أن تتحول إلى حرب إبادة، فنحن نعتبر أن سوريا جزء لا يتجزأ من الأمة العربية”.

ويعتقد مراقبون أن زيارة الوفد النقابي، التي تلتها زيارة وفد برلماني من المعارضة، لا تخلو من رسائل داخلية، تعكس الصراع الدائر في تونس، منذ السنة الأولى للثورة، بين تيارات ماركسية وقومية، من جهة، والإسلاميين، من جهة أخرى.

وفي إشارة إلى حركة النهضة، صرح المباركي، المنحدر من خلفية ناصرية، أن “طرح الإخوان المسلمين خاطئ، لا يريد للشعوب العربية أن تكون لها أوطان، والاتحاد يقف مع الحكومة السورية والجيش العربي السوري”.

** موقف سياسي أم نقابي؟

وفي تعليقه للأناضول، ربط المحلل السياسي، الحبيب بوعجيلة، بين الزيارة و”التجاذبات السياسية”، مع تأكيده أنها “لا تتناقض مع مواقف الاتحاد السابقة من الأزمة السورية”.

ويضيف بوعجيلة، جاء “تسريع″ الزيارة، بعد رفض اللائحة، المطالبة بعودة العلاقات مع سوريا”.

وفي 19 يوليو/ تموز الماضي، أسقط البرلمان التونسي لائحة تطالب بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع دمشق، قدمتها كتل يسارية ولبرالية، هي “الجبهة الشعبية”، و”الحرة”، التي تستحوذ على 21 مقعدًا، و”الاتحاد الوطني الحر”، الحاصل على 11 مقعدًا، و”آفاق تونس ونداء التونسيين بالخارج، المستأثر بـ 10 مقاعد برلمانية.

وبحسب المحلل السياسي، فإن الخط السياسي للاتحاد العام التونسي للشغل، في تمايز مع الائتلاف الحاكم، لكونه “خطًا يساريًا ذا منحى عروبي”.

ويرى بوعجيلة أن “الزيارة موقف سياسي، له انعكاس على المشهد السياسي والاجتماعي، رغم أن الاتحاد ذهب سابقًا، إلى التوافق في الساحة التونسية”.

ولا يؤيد الرجل مناقشة القضية من منظار حقوقي، لأن ما تشهده سوريا، تختلف حوله الأطراف السياسية والفكرية العربية، إن كان “ثورة أم لا؟”

وأشار إلى أن دمشق استقبلت “وفودًا أوروبية وغربية، برلمانية وجمعياتية أجنبية، والاتحاد يقدم هذا كمبرر، وبالتالي يرى أنه ليس هناك خطأ في زيارة دمشق”.

لكنه استدرك، بأن القيادة النقابية “أخطأت، عندما حاولت استغلال الزيارة لصالح موقفها الداخلي، بالقول إن “الترويكا (الائتلاف) الحاكمة كانت تدعم الإرهاب”.

وكان هذا الائتلاف الذي يضم، حركة النهضة، وحزب “المؤتمر من أجل الجمهورية”، بزعامة الرئيس السابق المنصف المرزوقي، و”التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات”، بقيادة مصطفى بن جعفر، قد حكم ما بين 2011 – 2014.

ووصف المحلل السياسي ما ذهب إليه قادة الاتحاد بأنه “تعبيرًا عن موقف سياسي، أكثر منه نقابي، وهذا ما أثار اللغط حول الزيارة”.

** ما تقتضيه “نوبل”

من جهته، اعتبر أستاذ العلاقات الدولية، بالجامعة التونسية عبد المجيد العبدلي، أن زيارة الوفد النقابي إلى سوريا لم تأت “في الوقت ولا المكان المناسب”.

وفي إفادته للأناضول، قال العبدلي أن النظام السوري “لا يختلف في شيء عن نظام زين العابدين بن علي، الذي أطاحه به التوانسة، في ثورة 2011، ونظام معمر القذافي، الذي لقي المصير ذاته، على يد الليبيين، في نفس العام”.

ورفض الأستاذ الجامعي المبررات التي تنعت نظام بشار الأسد بأنه “ممانعًا أو مقاومًا، ضد الاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية”.

وتساءل “هل أطلق النظام السوري طلقة واحدة ضد إسرائيل، التي تحتل الجولان (السورية) من عام 1967″.

واستنكر العبدلي مساندة الرئيس السوري، بشار الأسد، من جهة حاصلة على جائزة نوبل للسلام، التي تدعم خيارات الشعوب في الحرية والديمقراطية، وسبق أن أيدت الثورة في ليبيا ومصر وتونس.

وكان الاتحاد واحدًا من الرباعي، الذي قاد الحوار في تونس، مسهلًا بذلك الانتقال الديمقراطي، واستحق بذلك الجائزة العالمية، في 2015.

وقلل أستاذ العلاقات الدولية من الدعوة لإعادة العلاقات مع دمشق لأن “سوريا حاليًا تتفتت”.

ووضع علامة استفهام أخرى، “هل فعلًا لو أعدنا العلاقات، وأصبحت لنا سفارة، في دمشق، سنعيد التونسيين الذي ساندوا فصائل المقاومة، أو الذين التحقوا بالجماعات الإرهابية؟”.

وبحسب أرقام رسمية، تقدر الجالية التونسية، في سوريا، بحوالي 6 آلاف شخص، فيما انضم ما يقارب هذا الرقم للتنظيمات الإرهابية هناك، مع وجود 50 معتقلًا، لدى حكومة دمشق.

وبالمقابل، يقيم في تونس، نحو 400 لاجئ سوري، وفقًا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. (الاناضول)