بانون رحل.. البانونية بقيت.. الفراغ الرهيب للقومية المتطرفة  

 banon.jpg555

بقلم: نداف ايال

في نهاية الاسبوع واصل دونالد ترامب برنامجه التلفزيوني الواقعي الخاص، هذه المرة في خطوة خطيرة للغاية منذ توليه منصبه. فاقالة الاستراتيجي الرئيس لديه، ستيف بانون، هي خطوة كثيرة المخاطر، اكثر من كل اقالة أو ابعاد كان له كلهم معا. فقد وصف بانون بانه “الناشط السياسي الاخطر في امريكا”، ولكن هذا وصف يفوت النقطة الهامة بالنسبة له: فهو مالك كبير للاعلام. بانون ليس مجرد عقل سياسي بل يملك ايضا “برايتبرت”، الموقع الذي اصبح البيت الفكري لليمين المتطرف والنشطاء المتطرفين من “حفلة الشاي”. كما يرتبط بانون ايضا عميقا بالزوجين ميرسل، المتبرعين الاهم على ما يبدو للرئيس الامريكي.

لا يدور الحديث  هنا عن اقالة ناطق او رئيس طاقم؛ هذا هو الرجل الذي كتب لترامب رسالته الاساس. هذا ليس ترامب الذي قرأ اقتصاديا امريكيا منذ بداية القرن العشرين وانتزع منه عبارة “الرجال والنساء الامريكيون المنسيون”. ليس ترامب هو من فهم بانه ينبغي جعل كلينتون مجرمة أو انتج شعار “احبسها” الذي انشده الجمهور بفرح في مهرجاناته. لقد جلب ترامب النشر والعطف، ولكن من انتج له الجمهور والرسالة كان بانون.

ولكن بعد الحملة يأتي الواقع. بانون هو الذي اقنع ترامب ان يخرج فورا بالمرسوم الرئاسي الفاشل عن منع دخول المواطنين من دول اسلامية معينة الى امريكا. وقد ورط الادارة فورا تقريبا في المحاكم. شيئا من الايديولوجيا البانونية، التي تعنى بـ “القومية الاقتصادية” لم يتحقق حقا ونشأ الانطباع بان بانون لم يعرف على الاطلاق كيف يقود الامور الى هناك.

لقد كان بانون رجل اعمال كفؤ ورجل قاريء، متطرف في ارائه. ولكن ينتهي الامر هناك. من كشف هو المسلم به: الحكم هو حرفة. من هنا جاء التعبير حرفة الحكم. بانون لم يكن خبيرا في هذه الحرفة. اعتقد بان الامور ستسير بسهولة اكبر. “رئاسة ترامب الذي قاتلنا من أجلها – انتهت”، قال تقريبا فور اقالته. الحقيقة هي ان هذه الرئاسة، مع سور على حدود المكسيك وحرب تجارية على كل العالم لم تبدأ على الاطلاق.

من خلف شعارات بانون اختبأ الفراغ الرهيب للقومية المتطرفة، المخيبة المثابرة لامال القرنين الاخيرين. فالتفكير بأن منظومة عالمية مفعمة بالعلاقات المتبادلة سيكون ممكنا حقا فيها فجأة تحقيق شعار “امريكا أولا” الانعزالي كان غريبا إن لم يكن فاشلا. فثراء امريكا يعتمد بقدر كبير على العولمة التي بنتها هي نفسها. لقد كان هذا فاشلا مثلما قال ذات مرة بانون لصحافي امريكي بانه “لينيني” يتطلع الى “تفكيك الدولة”. واللينينية، لمن لا يتذكر هي الايديولوجيا التي تقدس الدولة الشيوعية، وبالتأكيد لا تتطلع لان تجعل لها اعادة بناء.

يعد بانون بمواصلة القتال “من اجل ترامب” من خارج البيت الابيض. مريح له ان يصور الرئيس كطفل مأسور، في ايدي من؟ في ايدي عصبة النيويوركيين، اي اليهود، ايفانكا وجارد كوشنير، وبالطبع المستشار الاقتصادي الكبير كوهن. وهو لم ينتقد ترامب مباشرة في هذه المرحلة، ولكن رويدا رويدا سيحاول سحب البساط من تحت اقدام الرئيس. يتوجه بانون الى “حرب نووية”، قال احد مقربيه – مما يجسد أن الرجل لم ينسَ  شيئا ولم يتعلم الكثير من فشله في البيت الابيض.

توجد هنا فرصة بالطبع. رئيس طاقم البيت الابيض الجديد الجنرال كيلي طهر منذ الان رئيس شبكة الاعلام سكارموتشي وطرد الان من طريقه بانون الذي كان قمرا حرا في السماء المتكدرة للبيت الابيض. اذا واصل هذا التصميم، فلعله ينجح في تكوين طاقم يؤدي مهامه بشكل ما، اقل تسريبا، اكثر ثباتا وجذرية بقليل. بالطبع المشكلة الاساس، قلب الاعصار السلطوي الامريكي، لن تحل: ترامب سيبقى هو الرئيس، وسيبقى قادرا في نوبة غضب لحظية ان يغير جدول الاعمال القومي والدولي في طالحه، مثلما فعل في المؤتمر الصحفي سيء الصيت والسمعة في الاسبوع الماضي. لقد نجح كيلي في التغلب على بانون ولكن التحدي الحقيقي هو الرئيس الاكبر. ومثلما كتب هنا في الاسبوع الماضي، هذا ليس تحديا لامريكا فقط بل وللعالم بأسره.

يديعوت 20/8/2017