الجدل يحتدم في تونس بشأن المساواة بين الرجل والمرأة

sebsi-mmm77

من طارق القيزاني تونس – (د ب أ) – يردد تونسيون على سبيل المزاح بأن التمرد الذي طالما انطلق من بلدهم تونس سيفضي بهم في نهاية المطاف إلى إلقائهم خارج المنطقة العربية، ليتم نفيهم جماعيا إلى أراضي بعيدة في كندا أو استراليا.

والمزحة، التي انتشرت عبر موقع هزلي على الإنترنت، أصبحت حديث المتصفحين لمواقع التواصل الاجتماعي، وموضع ترحيب منذ أن أعلن الرئيس الباجي قايد السبسي عن مراجعات قانونية جريئة من أجل الوصول إلى المساواة بين الجنسين في الميراث، علاوة على السماح بالمرأة المسلمة بالزواج بغير المسلم.

وبعد أن كانت سببا في اندلاع موجة الربيع العربي، التي أطلقت الألسن من عقالها في وجه الأنظمة القمعية، عادت تونس لتلقي الضوء على أحد أكثر المواضيع حساسية في الشريعة الإسلامية، لتطلق بذلك بداية الجدل حول النصوص الدينية ومقاصدها.

وتعد دعوة السبسي خطوة صادمة في ظل ما هو متعارف عليه في النصوص الشرعية، لدرجة أنها أثارت حفيظة جامع الأزهر العريق، الذي اعتبر مراجعة أحكام الميراث خطوة عكسية ضد حقوق المرأة.

ومع أن كلام السبسي لقي تأييدا من دار الإفتاء بخصوص أحكام الميراث وزواج المرأة من غير المسلم، إلا أنه لم يسلم من انتقادات صارمة صدرت عن مشايخ من جامع الزيتونة،وخاصة من مفتي الديار السابق حمدة سعيد ووزير الشؤون الدينية السابق نور الدين الخادمي.

وقال مفتي الديار السابق حمدة سعيد “هل يحق له (الرئيس) التدخل في مثل هذه القضايا التي ثبتت بالقرآن القطعي متنا وسندا. هذه نصوص لا يجب أن نحوم حولها”.

وأضاف سعيد “التسوية في الميراث وزواج المسلمة من غير المسلم، هذا لا أقول به ولا ينبغي لأحد أن يقول به. هذا خروج عن الإسلام”.

وتملك تونس رصيدا مميزا من النضال في مجال حقوق المرأة، وكانت سباقة في إرساء مدونة قانونية متفردة تعرف بمجلة الأحوال الشخصية منذ العام، 1956 في وقت كان وضع المرأة فيه متأخرا ليس في المنطقة العربية فحسب، ولكن أيضا في عدد من الدول الغربية.

ولا تزال منظمات نسائية في تونس تناضل من أجل المساواة التامة مع الرجل، بما في ذلك القضايا المرتبطة بالإرث، بجانب حق المرأة في الزواج من أجنبي بغض النظر عن ديانته مسبقا. وهذه من بين المسائل الخلافية في تونس حول قانون يعرف بالمنشور العدد.73

وقالت رئيسة الجمعية التونسية المساندة للأقليات، يمينة ثابت لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) “يضع القانون في الاعتبار أن كل التونسيين مسلمون ويتغافل عن وجود أقليات كما يتغافل تعقيدات أخرى عند زواج المسلم بامرأة يهودية”.

وتوضح ثابت “في مثل هذه الحالات يتبع الأبناء وجوبا ديانة أمهم اليهودية. نحن بكل بساطة نطالب بقوانين لا تورث الديانة”.

وبحسب المنظمة يقف القانون أيضا حائلا أمام الاعتراف بعقود الزواج، التي أبرمتها نساء تونسيات مع غير المسلمين خارج الوطن، ما يضع عدة مشكلات أمام الأزواج من هذا الصنف.

وقال السبسي إن المنشور أصبح يشكل عائقا أمام حرية اختيار القرين، وبالتالي فإن من المهم تسوية الوضعية القانونية للكثير من النساء المرتبطات بأجانب وما خلفه من مشاكل لا سيما وأن الفصل 6 من الدستور يقر بحرية المعتقد والضمير ويحمل الدولة مسؤولية حمايتهما.

وقالت رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات إن “المنشور 73 لا يتعارض مع قانون الأحوال الشخصية وهو أيضا مخالف للدستور الذي يقر بحرية الضمير والمعتقد ويفرض على الدولة حماية تلك الحرية”.

لكن مثل هذه المواضيع ما تزال بمثابة محاذير للطبقة المحافظة من رجال الدين لسببين أساسيين، أولهما القراءات المختلفة لدستور تونس الجديد لعام، 2014 والافتقاد حتى الآن إلى قراءة رسمية ومحكمة دستورية تفصل في النزاعات المرتبطة بالدستور.

والسبب الثاني هو أن رجال الدين يقولون إن آراءهم مدعمة بأحكام شرعية ثابتة لا تحتمل التأويل والاجتهاد.

وقال وزير الشؤون الدينية السابق، نور الدين الخادمي ،إن هناك “حكم قطعي ثابت بنص صريح لا يجوز المساس به أو الاجتهاد فيه. وأحكام المواريث فيها نص قرآني في سورة النساء في الآيات من 11 إلى 14″.

وانضمت أيضا أحزاب يسارية وقومية إلى الجبهة الرافضة لمبادرة السبسي، بدعوى أنها ستنقل الصراع ضد رأس المال إلى فتنة داخل الأسرة.

وقالت حركة النهضة الاسلامية، أكبر الأحزاب الإسلامية في البلاد والشريك في الائتلاف الحكومي، إنها لا تمانع في أي مراجعات قانونية طالما انها تنضوي تحت طائلة الدستور.

ولا يزال الطريق طويلا أمام السبسي ومؤيديه لتحييد المعارضة والمضي قدما في تلك المراجعات. وستتولى في الوقت الحاضر لجنة رئاسية إعداد تقرير حول الإصلاحات المرتبطة بالحريات الفردية والمساواة، استنادا إلى دستور 2014، والمعايير الدولية لحقوق الانسان والتوجهات المعاصرة في مجال الحريات والمساواة.

ويقر دستور تونس الجديد لعام 2014 في الفصل 21 على المساواة بين المواطنات والمواطنين في الحقوق والواجبات، كما ينص في الفصل 46 على مسؤولية الدولة في ضمان تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في جميع المجالات.

وحضور المرأة في تونس قوي في أغلب القطاعات المهنية، أبرزها الطب والقضاء والتعليم الجامعي والنسيج والفلاحة بنسب تفوق 50 بالمئة، لكنها لا تزال تشكو من حضور متواضع في المناصب القيادية التي تقل عن نسبة 4 بالمئة.