القنبلة التي القيت في تونس تصدح في القاهرة

 sebsi-new.jpg666

بقلم: تسفي برئيل

قنبلة بوزن ثقيل، مثلما درجت الصحافة العربية على التعبير، سقطت في بداية الاسبوع على مؤسسة الشريعة المصرية الازهر. وقد اطلق مباشرة من فم الرئيس التونسي باجي السبسي، فاثارت عاصفة كبرى ليس فقط بين الفقهاء المصريين بل وفي كل مؤسسات الشريعة الاسلامية. السبسي ابن التسعين، العلماني الذي يعد من النخب القديمة في بلاده، القى يوم الاحد خطابا استثنائيا على شرف يوم المرأة التونسية، طالب فيه بالبحث في حقوق الوراثة للنساء وفي حقهن بالزواج من رجال ليسوا مسلمين. قوانين الاحوال الشخصية في الدول الاسلامية، الناشئة عن الشريعة الاسلامية تظلم بشكل واضح الوارثات، ومرسوم من وزارة العدل التونسية في 1973 يمنع زواج النساء من رجال ليسوا مسلمين ويلزم العرسان بالاسلام.

تعتبر تونس دولة متقدمة للغاية بالنسبة لحقوق المرأة في الشرق الاوسط. وليس مثلما في السعودية، يمكن للنساء ان يعملن فيها في كل مهنة، ويمنحهن الدستور حقوقا متساوية مع الرجال في كل المستويات ويكدن يحتللن نصف اماكن العمل في اجهزة القضاء والصحة. يمنع القانون التونسي تعدد الزوجات ويسمح للمرأة بخلع زوجها، بالضبط مثل العكس. وقد كان يمكن للسبسي ان يكتفي بخطاب عادي يحيي فيه مكانة المرأة في بلاده، ولكنه قرر اتخاذ خطوة اوسع الى الامام ونال الاسناد من مؤسسة الفقه في الدولة.

“اقتراحات السبسي تتعارض والشريعة”، هاجم مدير عام الازهر، عباس شومان. “موضوع الارث واضح تماما ومنصوص عليه في آيات القرآن التي لا خلاف فيها. والموضوع غير خاضع للتفكير او لتغييرات الزمان والمكان”. وكما أسلفنا لا يمكن لتونس ان تعمل اسلاما خاصا بها والخروج عن الرأي السائد الذي يمثله الازهر. ومع ان الازهر يعتبر مؤسسة التفسير الاهم في العالم السني، وفتاويه توجه المفتين في ارجاء العالم، ولكن مثلما في اليهودية، يمنح الاسلام حرية التفسير وفيه ايضا يوجد مبدأ “اجعل لك حاخاما”. فشومان لا يعتمد فقط على الشريعة، بل حاول ايضا ان يعلل معارضته بالعقلانية. فقال ان “زواج المسلمة من غير المسلم قد يمس بالسلام الاهلي الذي هو هدف مؤسسة الزواج”.

ولكن ليس السلام الاهلي والشريعة وحدهما يوجدان امام ناظر شومان. فهذا ايضا صراع على المكانة وعلى الاعتبار للازهر، سواء في العالم الاسلامي ام في داخل مصر. فالمؤسسة التي تمنح الشرعية الدينية للحكم المصري توجد في درك اسفل عميق في علاقاتها مع الرئيس عبدالفتاح السيسي. فهذا يتهم الازهر في انه لا يخوض معركة شاملة ضد المنظمات المتطرفة ومنظمات الارهاب، وتمتنع عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كأداة لنشر الافكار المعتدلة.

على هذه الخلفية، قرر السيسي في نيسان تشكيل المجلس الاعلى لمكافحة الارهاب والتطرف برئاسته، والذي يضم وزير الداخلية، رجال دين ومثقفين مصريين، وهدفه المكافحة بكل السبل للافكار الدينية المتطرفة. ومنح السيسي المجلس صلاحيات عليا في كل المجالات، من التشريع وحتى الاعلام، وهكذا “احال الازهر الى التقاعد”، على حد قول صحفي مصري. هذا هو جزء من محاولات الرئيس لخلق خطاب ديني جديد يعطل الافكار السلفية ويربي الجيل الشاب على الاعتدال والتسامح. وهذا الشهر صادق السيسي ايضا على تعيين رئيس جديد لجامعة القاهرة، محمد عثمان الشحت – خبير في فلسفة الدين اندرج في قائمة اليونسكو للفلاسفة من ابناء زمننا ومؤيد للخطاب الجديد. اشحت هو عقلاني، في الاربعين كتابا له وعشرات المقالات يصف العصر الديني الحالي بتعابير حديثة تستوي وتطورات العصر. وفي نفس الوقت يمنح السيسي الدعم الكامل للحركات السياسية السلفية، التي يرى فيها سندا في مكافحته للاخوان المسلمين. في نظره لا تناقض بين تأييده للسلفيين وبين دعوته للخطاب الديني الجديد، الذي يعارضونه. أتاتورك هو الاخر، مؤسس تركيا الحديثة، العلمانية، والمعارض الحاد للدين، تعاون مع حركات دينية في صراعها ضد اليسار التركي.

وهكذا تأتي تصريحات الرئيس التونسي في وقت مناسب من ناحية السيسي، الذي امتنع حتى الان من تغيير قواعد اللعب الدينية بالنسبة لمكانة المرأة، باستثناء تشريع في موضوع التحرش الجنسي يصفه كجريمة يعاقب عليها القانون وليس “مسا بالشرف”، التعبير الغامض السابق. في هذا الموضوع ايضا نجد أن تونس اكثر تقدما من مصر بكثير، حيث اقر هذه السنة قانون يقضي بان العنف ضد النساء ليس جسديا فقط بل ونفسي وجنسي  ايضا. ويلزم القانون التونسي باقامة ملاجيء وطواقم ارشاد للنساء المضروبات، ولا يكتفي بالقاء المسؤولية على المرأة المصابة بل يلزم السلطات الصحية بتشخيص حالات العنف والتبليغ عنها.

كما أن النقد الذي وجهه متصفحون تونسيون للازهر، لتدخله بشؤون تونس الداخلية، ليحدد لها ما هو المسموح وما هو الممنوع لا يبعث الغضب لدى الرئيس المصري. إذ انه عندما يتحدث السيسي عن خطاب ديني جديد، فهو يقصد خطابا مصريا وليس اسلاميا عاما والنموذج التونسي ليس سيئا في نظره. كل دولة واسلامها،  كما يعتقد، وهكذا يدحر الى الزاوية بالازهر، الملزم بمراعات التيارات الاصلية الاسلامية العامة حفاظا على مكانته ويتلوى كلما طالبه الرئيس بالانسجام مع مطالبه.

وضع الرئيس التونسي اكثر راحة من وضع السيسي. فحتى الحركة الاسلامية في بلاده، النهضة، لا تعارض بشدة التجديدات التي يقترحها. فقد قضت الحركة سابقة، وليس فقط في العالم الاسلامي، في انها وافقت على التخلي عن نصرها في الانتخابات التي جرت في 2011، بعد الربيع العربي، وفازت فيها باكثر من 37 في المئة من الاصوات. زعيمها، راشد الغنوشي، لم يأخذ على عاتقه اي منصب رسمي في الحكومة التي اقامها حزبه، وفي ضوء النقد الجماهيري الحاد على اخفاقاتها الاقتصادية وعلى تطويرها للتعليم الديني، رغم استياء الحركات الليبرالية، وافق على ان تخرج منها بعد صياغة الدستور. وهذا ما كان. يحتمل أن يكون الاطاحة برجل الاخوان المسلمين محمد مرسي عن كرسي الرئاسة في مصر قبل سنة من ذلك قد أثر على قرار النهضة التي شرحت بان اعتزالها الحكومة ينبع من الرغبة في الحفاظ على وحدة الامة حتى بثمن اقتصادي باهظ.

في الانتخابات التالية، في 2014 فازت الحركة بـ 28 في المئة من الاصوات، ولكنها لم تتنافس مرة اخرى على الرئاسة، التي فاز فيها السبسي، رجل حزب احياء تونس. والشراكة السياسية الاشتراكية بين السبسي والغنوشي ولدت حكومة مستقرة تحظى بعطف الجمهور. ومع ان الاخير لم يحضر الاحتفال بيوم المرأة، الذي شارك فيه كل رجالات الحكم وسافر الى الخارج قبل يوم من خطاب الرئيس. يبدو انه لم يرغب في المشاركة في حدث كفيل بان يكون محرجا من ناحيته، ولكن امتناعه عن النقد يدل على طبيعة العلاقات الممكنة بين حزب ديني ورئيس ليبرالي.

رغم الانفعال المبرر من الديمقراطية التونسية ومن السعي الى المساواة بين الرجل والمرأة، لا تزال النساء التونسيات تعشن تمييزا بحقهن، ولا سيما في المناطق القروية المحافظة حيث تسود العادات الاجتماعية. النساء لا يكسبن كالرجال، ولا يزال التنكيل الرجولي بالنساء في اماكن العمل ظاهرة عادية والمحاكم والشرطة ترى في المشتكيات “نساء متمردات”. ولكن مسافة واسعة تفصل بين مكانة المرأة التونسية وتلك المصرية وبالتأكيد السعودية، التي لا تزال تتحسس طريقها نحو حقوق اساسية بسيطة كالسفر الى الخارج دون مرافق، الطلاق بمبادرتها، او الاعتراف باولادها من مسلم ليس مواطن سعودي. واذا كانت النساء تكافحن في دول عربية اخرى في سبيل  الاعتراف وبناء وعي المساواة بين النساء والرجال، فان هذا الاعتراف في تونس موجود منذ الخمسينيات، والوعي متجذر جيدا والصراع هو على التطبيق. يمكن ان نقدر بأسف بان التجديدات التي يسعى السبسي الى تطبيقها في بلاده لن تنجح في اجتياز حدودها والتأثير على مكانة النساء في دول اسلامية اخرى.

هآرتس  18/8/2017