المغسلة الايديولوجية لليمين المرن

 palestin-sling.jpg888

بقلم: زئيف شترنهل

بسبب وجودي خارج البلاد، ضاع مني مقال البروفيسور روت غبيزون “الاحتلال: موضوع سياسي وليس قانوني”. والآن فقط عثرت عليه (“هآرتس″ 30/6). هذا مقال هام لأنه يعبر عن التفكير المتساذج، وليس المستخف الذي يميز اليمين المرن والعقلاني: أقول  مرن وليس ليبرالي، لأن من لديه موقف مثل موقف غبيزون بالنسبة لحقوق الانسان، بعيد سنوات ضوئية عن الليبرالية. إن هدف هذه المقاربة هو تحرير السياسة من المعايير الاخلاقية الملزمة، التي تقيد الحكم، وتنظيف اسرائيل من التشويه الذي لحق بها – خرق ممنهج لحقوق الانسان في اوساط سكان المناطق المحتلة.

بسبب ذلك نحن سنضطر الى التذكير مرة اخرى بعدد من المفاهيم الاساسية. حقوق الانسان التي سميت في الاصل “حقوق طبيعية”، خلافا لـ “الحقوق التاريخية” مثل الحقوق المحلية والوطنية أو الحقوق الطبقية بجميع أنواعها. مثلا، حقوق النبلاء، الكنيسة أو طبقة التجار واصحاب المهن المختلفة. إن استخدام مفهوم “حقوق طبيعية” عبر عن الارتفاع التدريجي للفرد المستقل، وقد هدف الى التعليم بأن هذه الحقوق تعود للانسان لكونه انسان، كل بني البشر مهما كانوا في كل مكان وكل زمان. وهذه حقوق عالمية، أو اذا أردنا هي قيم لها سريان عالمي، وليست قيم عالمية، كما كتبت غبيزون، من اجل تقليصها ونسبها بصورة حصرية للقانون الدولي. الوطنيون بأنواعهم يرون في حقوق الانسان خطرا كبيرا، لأنها تؤسس المساواة الاساسية بين جميع البشر، ولهذا فهي تسعى بشكل عام الى تقويض الحقوق التاريخية. منذ نهاية القرن السابع عشر، تضمنت الحقوق العالمية – التي سميت في البداية حقوق طبيعية، ومنذ الثورة الفرنسية عرفت على أنها حقوق انسان – الحق في الحياة والحرية، وفيما بعد اتسعت وشملت الحق بالمساواة السياسية ايضا، والحق بالمساواة أمام القانون والحق في تقرير المصير والحكم الذاتي.

هذه الحقوق الاساسية المتفق عليها من قبل الجميع. هناك اختلافات في الرأي حول مسألة اذا كان حق التحرر من الفقر أو حق الحياة الكريمة وحق التعلم والصحة، وبشكل عام حق الرفاهية – مثل حق المعاق في أن لا يعاني من الفقر – لها نفس السريان الملزم مثل الحقوق المذكورة أعلاه. وأنا لا أعتقد أن طلب المساواة الاجتماعية أقل من طلب المساواة السياسية، لكن لا خلاف في الغرب على سريان حق الحرية الشخصية، حق الاستقلال والحكم الذاتي. وهذه الحقوق يتم النظر اليها كتعريفات لليبرالية. بكلمات اخرى، يتم النظر اليها كحقوق لكل البشر، وكحقوق اساسية لا توجد ديمقراطية بدونها.

غبيزون في المقابل تحاول دفع المباديء العالمية الى مجال القانون الدولي. وبهذا فهي تشوش عن قصد مضمونها وقدرتها على تغيير المجتمع. ليس القانون الدولي هو الذي يخلق المباديء العالمية: حقوق الانسان تسبق كل تشريع ايجابي، بما في ذلك التشريع الدولي. اضافة الى ذلك، هناك ساسة وحكومات ورجال قانون في اماكن مختلفة ينظرون الى التشريع الدولي على أنه غير ملزم أبدا، أو أنه ملزم أقل من التشريع الوطني.

في واقع اسرائيل، من يحاول دفع حقوق الانسان الى الهامش بذريعة أنها تنتمي لمجال القانون، في حين أن الاحتلال هو موضوع سياسي، يذر الرماد في العيون، بهدف تحويل حقوق الانسان الى موضوع مفتوح للمفاوضات بين الطرفين، مثل موضوع الحدود. بدل أن ينظر اليه على انه موضوع يتعلق بشخصيتنا الانسانية. هكذا يمكن القول للفلسطيني الذي يخضع لنظام كولونيالي قاس، والذي يتم سحق حقوقه بقوة الذراع في كل يوم، إن كل شيء مرتبط بالمفاوضات. حقيقة أن هذه المفاوضات تستمر منذ عشرات السنين، وطالما أن الامر مرتبط باسرائيل، وأنها ستستمر الى الأبد – هذه الحقيقة لا تزعج القانونية غبيزون.

 يجب علينا التذكر دائما أنه ليس للقانونيين افضلية خاصة في النقاش حول حقوق الانسان. في هذا المجال لا توجد لهم افضلية على أي خبير في الابحاث أو عالم اديان أو أي مفكر. نحن لسنا بحاجة الى أي ثقافة قانونية كي نفهم أنه اذا كان لشعب ما حق في تقرير المصير، فان هذا الحق محفوظ لكل شعب آخر. اذا كان لنا، نحن الاسرائيليون، حقوق انسان فليس من حقنا أن نسلبها من الفلسطينيين الذين يوجد لنا معهم صراع قومي، أو نحن معهم في حرب على تقسيم الارض. إن التفوق في القوة لا ينتج اطلاقا حقوق افضل، ويمكنه خلق حقائق لكنه لا يخلق القيم.

غبيزون تقوم بالدفاع بحق عن حقوق اليهود في “حق تقرير المصير في وطنهم التاريخي”. ولكنها تقوم بادخال عامل اضافي هام جدا: “بصورة متهكمة تقوم بربط تجسيد حقوق الانسان العالمية باحتياجات اسرائيل الامنية والعسكرية والشخصية”. وهي لا تفسر ما هي هذه الاحتياجات ولماذا يحتاج اليهود الى التمتع بحق تقرير المصير، في حين أن حقوق الفلسطينيين ترتبط باحتياجات المحتل ومصالحه. إن مطالبة الفلسطينيين بالاستقلال وانهاء الاحتلال ترتكز على نفس الحق في الحكم الذاتي، الذي يرتبط به استقلال اسرائيل. هذه هي القاعدة في مطالبة الحركة الصهيونية، اضافة الى الحاجة الى ايجاد حل لـ “ضائقة اليهود”، أي الخطر الوجودي الذي يهدد الشعب اليهودي في اوروبا. لهذا ليس لاسرائيل الحق في سلب طلب الفلسطينيين بذريعة أن لديها “احتياجات امنية وعسكرية وامور تتعلق بالهوية”، التي تلغي حقوقهم. وقد ردت غبيزون على ذلك بأنه “من ناحية القانون الدولي، ليس للفلسطينيين أي حق” – حق، بين قوسين، لأنه ليس حق حقيقي – “في انهاء الاحتلال، الذي كان نتيجة حرب دفاعية، وليس من واجب اسرائيل أنهائه بدون اتفاق”. ولم يخطر ببالها أبدا أن هناك قواعد وقيم تسبق القانون الدولي.

 إن مفهوم “حقوق الهوية” هو مفهوم مسل تماما، لأنه يبين كيف استوعب اليمين العلماني على مدى سنوات، الذي يضع غطاء تقدمي، أسس تفكير اليمين الكاريكالي، وكيف أن القومية العلمانية تبنت المكراه كمصدر للسلطة، من اجل بناء نظرية الاحتلال والسلب الشرعي لحقوق الانسان من الآخر. حسب هذه النظرية التي يتبناها المستوطنون وممثلوهم في السلطة بتفاخر، فان قاعدة الهوية الوطنية لنا توجد في مناطق الضفة الغربية، بلاد الأنبياء، القضاة والملوك. الخليل وكريات اربع وبيت أيل وكدوميم هي قلب الوطن، واليهود الذين استوطنوا هناك قاموا بتجديد الحياة في وطنهم التاريخي: تل ابيب وبيتح تكفاه وحولون وأسدود، توجد في الهامش. الهوية الاسرائيلية هي هوية تعود للمكراه، وهي تشكل القاعدة لحقنا في أن نكون “الدولة القومية للشعب اليهودي في وطنه التاريخي”. حسب غبيزون فان تجسيد الحاجة الى هذه الهوية هو ايضا القاعدة لأمن اسرائيل. وهكذا فان القانونية تعيد تشكيل مكانة الضفة الغربية، ليس كذخر تاريخي فقط “يتعلق بالهوية”، بل كذخر أمني ايضا.

منذ عشرات السنين كان هذا هو التبرير الساذج، ولكن هكذا كان بالامكان تسويقه. ولكن في الوقت الحالي، حيث أن اسرائيل هي دولة نووية (حسب مصادر اجنبية) ومسلحة بالصواريخ والغواصات ولها سلاح جو من الأقوى في العالم، وفي الوقت الذي تواجه فيه التهديدات من ايران ولبنان، وربما ايضا من الوجود الروسي في سوريا، وليس من الفلسطينيين، الذين مقارنة مع الجيش الاسرائيلي سلاحهم هو الحجارة، فان هذه الرواية تبدو مضحكة. كان يجدر بدلا من التلاعب بالصيغ المغسولة، أن تقول غبيزون ببساطة ما يقولونه في الليكود وفي البيت اليهودي وما يقوله يئير لبيد: الحقوق التاريخية لليهود تسبق حقوق الانسان للفلسطينيين. لهذا طالما أن الفلسطينيين لم يسلموا بانتصار اليهود، وطالما لم يقرر اليهود، لاعتباراتهم الخاصة، انهاء الاحتلال، فان الصراع لن ينتهي. إن حقوق الانسان للفلسطينيين ستبقى في نظرهم اشارة ميتة، وقوة اليهود العسكرية هي التي ستحسم.

السؤال الحقيقي الآن هو هل الديمقراطية الاسرائيلية مستعدة للصمود في وجه النظام الكولونيالي الذي فرضته في المناطق المحتلة، وسلب حقوق الانسان للفلسطينيين. قبل عشرين – ثلاثين سنة كان هذا ما يزال نقاشا نظريا، لكن في الوقت الحالي تم الانتهاء من تجارب المختبر. الديمقراطية الاسرائيلية موجودة في مرحلة متقدمة من التلاشي والتفكك. الاستيطان يسلب بصورة صريحة حقوق الفلسطينيين، لكن تجاه الخارج ما زالت بحاجة الى مساعدة “كبيرة” من اشخاص يعتبرون، على الأقل في نظر أنفسهم، ليبراليين. ومساعدة كهذه توفرها غبيزون عندما تؤيد العملية التي تقوم بها وزيرة العدل ضد الديمقراطية الليبرالية باسم ائتلاف اليمين الاكثر ظلامية في تاريخ النظام.

إن اييلت شكيد تحارب الديمقراطية الليبرالية على جبهة محكمة العدل العليا. وهي تسعى الى تصفية مبدأ تقسيم السلطات والى تحويل المحكمة العليا من سلطة ثالثة تشرف على السلطتين الأخريين، كما تقضي الديمقراطية – المسؤولة عن تطبيق حقوق الانسان للاسرائيليين، اليهود والعرب، وللفلسطينيين – الى جسم خاضع لسلطة الحكومة والكنيست، في حين أن غبيزون أخذت على عاتقها مهمة تصفية الديمقراطية الليبرالية في جبهة حقوق الانسان، وهي الجبهة الاكثر حساسية لأنها تهم الاجانب، المثقفون في اوروبا والولايات المتحدة، وتُعرض أمام أعين العالم دون امكانية القيام باحتكار وتمويه مثلما حدث في الصراع ضد محكمة العدل العليا. بالنسبة لغبيزون فان حقوق الانسان هي أمر مفتوح للنقاش القانوني. إنها ليست مطلقا مع قواعد نهائية وعالمية، حيث أنه منذ 1945 – اذا لم يكن منذ 1789 – وهي تضيء طريق الديمقراطية الغربية، وتشكلها وتشكل الالهام للعالم كله.

هآرتس  18/8/2017