محمود كامل الكومى: فى ذكراه الثانية نور الشريف مع (حنظله) الى فلسطين خذونى معكم

 noor-sharif88

محمود كامل الكومى

مرت أول من أمس ذكرى وفاة مبدع التمثيل العربى الفنان ” نور الشريف ” الثانية , المتوفى 11أغسطس 2015, ولما كان نور الشريف يرتبط  فى مخيلتى بالمناضل فنان الكاريكاتير “ناجى العلى” فعلى الفور غيرت  كاميرا العقل عندى ميكانيزم عملها المعتاد وعادت ” فلاش باك “الى أوائل التسعينات من القرن الماضى .

فى ركن من أركان أحدى دور العرض السينمائى بالقاهره التى كانت تعج بالمشاهدين على مدار حفلاتها خاصة المسائيه ,جلسنا مجموعة من الشباب والشابات المهاجرين من حزب التجمع اليسارى الذى كان يجمع بين مكوناته الخمس البعض من الناصريين الذين رأوا أن ممارسة العمل السياسى لابد أن يأتى فى أطار من أدعاءات الشرعيه الحاكمة ,منضوين تحت لواء المناضل الناصرى المرحوم “كمال رفعت “, لحين السماح للقوى الناصريه بتشكيل حزبها – و فى ابريل من العام 1992وجريا سارعنا الى الحزب العربى  الديمقراطى الناصرى ,حين حكمت المحكمة الأدارية العليا بتأسيسه.

,كان الحزب قد أعلن وقتها أن الفنان “نور الشريف ” يقوم ببطولة فيلم يجسد شخصية المناضل الفلسطينى رسام الكاريكاتير”ناجى العلى ” وأن المبدع “عاطف الطيب هو مخرج العمل , وثلاثتهم ممن ناضلوا لاجل فلسطين والقومية العربية وكلاهم يتماهون مع كل فكرنا العروبى الناصرى ويندمجون معنا فى أن عبد الناصر تاريخ أمة وفعل انسانى ناضل من اجل المستضعفين فى الأرض ومن أجل القضاء على الاستعمار وأعوانه,وأن الصراع العربى الصهيونى صراع وجود, وأن ثالوثه ” الحريه والأشتراكيه والوحده ” لابد أن يستتبع مواصلة النضال من اجل تحقيقه .

أطفأت الأنوار .” يارب نسمة هوا ترد الحبايب لنا “رددت أم ناجى – على التو صارت القطعان من الهجناه والمستوطنين وقوات العدو الصهيونى تعيث فسادا فى كل شىء تدمر وتحرق , هربا من الجحيم كان – التهجير – (نور الشريف)تجسيد حى رائع لشخصيه (ناجى العلى ) كل الرفاق فى قاعة العرض غاصوا داخل الشخصية مجمعين على ان نور الشريف هو ناجى العلى بلحمه ودمه وفكره وأبداعه , …….أنسابت الكلمات تحفها ذكريات الماضى وكأنها ترنيمات عشق آلهى :ولدت حيث ولد المسيح بين طبريه والناصره فى قرية الشجرة بالجليل الاعلى اخرجونا من هنالك وعمرى عشر سنوات عام 48الى مخيم عين الحلوه بلبنان اذكر هذه السنوات العشر اكثر مما اذكر بقية عمرى اعرف العشب والحجر والظل والنور هناك لاتزال صورها ثابته فى محجر العين كأنها حفرت حفراً أرسم لاأكتب أحجبة لا أحرق البخور لكننى فقط أرسم اذا قيل ان ريشتى تشبه مبضع الجراح اكون قد حققت ماحلمت بتحقيقه كما اننى لست مهرجاً ولست شاعر قبيلة اى قبيلة ,لست محايداً انا منحاز لمن هم تحت, لمن ينامون فى مصر بين قبور الموتى ولمن يخرجون من حوارى الخرطوم يمزقون بأيديهم سلاسلهم ولمن يقرأون كتاب الوطن بالمخيمات.

انا ناجى العلى رسام الكاريكاتير العربى من فلسطين.

حتى كلمات ناجى العلى كانت تجسيداً حياً لكل سمات نور الشريف فكلاهما يمسكا مبضع الجراح ولا يحرقا البخور والتهريج بعيداً عن فطنتهم وهجاء الاشخاص ليس من ذواتهما فقط انحازا لمن هم تحت من الطبقات الدنيا ولمن اشتاقوا الى الحرية .

رصاصات الغدر من عملاء الموساد تغتال “ناجى العلى ” فى لندن , وتحاول اغتيال “نور الشريف” فى القاهرة لأنه ذاب فى ناجى العلى مجسدا النضال ضد اسرائيل كصراع وجود وأن فلسطين لابد عربيه.

…..فى زمن كامب ديفيد ,بدى أن العميل النائم وقد استفاق ليقدم اوراق اعتماده الى الموساد والمخابرات الأمريكية , وكان لابد من حاملى المباخر , وهو أمر صعب فى ظل وجود كتاب تربوا فى حضن القومية والفترة الناصرية وكانت مؤسسات الاهرام والأخبار والجمهوريه وروز اليوسف وغيرها , تنير الفكر وتمهد لرأى عام عربى قادر على ان يكتشف العملاء والرجعية العربية ويحاصرها , كان هيكل واحمد بهاء الدين فى الأهرام , وكامل زهيرى ومحمد عوده فى الجمهوريه . وجلال عارف فى الأخبار , وكانت مؤسسة روز اليوسف كلها وطنيه يقودها الكاتب عبد الرحمن الشرقاوى وصلاح حافظ , حوصرت هذه القيادات داخل مؤسساتها , وأصدر السادات قراراته بعزل معظمها , وعلى النقيض كانت قراراته بعوده كل الكتاب والصحفيين الذين ثبت عمالتهم للأستعمار والصهيونية وعدائهم لجمال عبد الناصر والأمة العربية الى تلك المؤسسات الصحيفه لقياداتها , وكانت كلها من حملة المباخر ,والترويج لبطولة أنور السادات فى خيانته للأمة العربية وأعتبار اتقاقية كامب ديفيد الخيانية وزياره السادات للقدس المحتله بمثابة صعود أول انسان على سطح القمر.

وبدى الأَخوان عملاء المخابرات الأمريكيه ” مصطفى وعلى أمين ” وموسى صبرى وأبراهيم سعده , خير من يجيد النباح ضد قومية عبد الناصر , وضد كل المفكرين والكتاب القومين والناصريين واليساريين عامة, كانت هذة بداية “الديموجاجية” الفكرية التى مارسها حاملى المباخر من الكتاب والصحفيين المصريين على الشعب المصرى , ورسخت قواعدها فى ظل حكم “مبارك ” ومازالت آثارها الى الآن.

كان هذا هو الجو الملبد بالثعابين والحيات فى الحياة الفكرية والأعلامية فى مصر حين عرض “نور الشريف”فيلم “عاطف الطيب ” – ناجى العلى .

فى صالة العرض تشبث كل منا بكرسيه وغصنا في أحداث الدراما الفلسطينيه اللبنانيه و”(حنظله )ننظر على فلسطين حيث يعتقد الأخرون اننا نعطى ظهورنا لهم , ننزف دماً من التهجير الى الغزو الصهيونى لبيروت مطلقين زفرات الأمل والألم مع المقاومه اللبنانية الفلسطينية ,وأنتظرنا مع الفنان محمود الجندى اين الحكام العرب وجيوشهم العربية ؟!! ولحظة أضاءة الأنوار فى قاعة العرض ساد الصمت كتعبير عن ومضة الأمل التى عبرت عن مافى داخلنا والألم الذى أعتصرنا على واقعنا العربى المذرى .

لكن الكل كان مدركاَ ان الأجابة عن استفسار الفرجة على بيروت من جانب الحكام العرب وهى تتعرض للغزو الصهيونى قد تجد صداها فى الهجوم الشرس الذى شنه عقب عرض القيلم “حاملى المباخر” وعملاء الصهيونية والأستعمار من الكتاب والصحفيين وأذنابهم ممن آتى بهم السادات ترويجاً لأتفاقية كامب ديفيد وزينوا من بعد فساد “مبارك” , وعلى أثر الهجوم المنقطع النظير على الفنان (نور الشريف ) وفيلمه , تم وقف عرض الفيلم وطالب جوقة الكتاب بسحب الجنسية المصرية من نور الشريف , وطالب بعضهم باِلغاء عضويته لنقابة المهن التمثليه ومنعه من القيام بأدوار تمثليه فى التليفزيون , ووقفت القوى الوطنية والقومية والمثقفين المصريين مع نور الشريف فى حربة ضد جوقة حاملى المباخر , وتصدوا لمحاولة أغتياله .

تحت عنوان ناجى العلى .. فيلم للوطن والحريه كتب “نور الشريف” يجسد اندماج الشخصيتين يقول: هل لانه ناجي العلي ام لانني نور الشريف… أكتب هذه السطور؟ لا أدري وان كنت اعتقد انه لا فرق”- “)… و(ناجي العلي) لم يكن مجرد فيلم جاد في مسيرتي كان دليلي الذي قادني الى مرحلة النضوج في زمن التردي السائد في معظم النتاج الفني سواء على المستوى السينمائي أو المسرحي او الموسيقى او حتى التلفزيوني, كان هو البديل المطلوب للافلام المبتذلة او افلام المقاولات التي تتعمد الابتعاد عن صلب الهموم الكبرى والموضوعات الجوهرية, وتعمل على طمس المشكلات الانسانية والقومية والوطنية من خلال طرحها لموضوعات سطحية تخاطب الغرائز وليس العقول والقلوب”- ويتابع نور ” . ورغم فرحتنا الغامرة أنا وصديقي الكاتب وليد الحسيني شريكي في انتاج الفيلم وصديقي المخرج الراحل المبدع عاطف الطيب وكل أسرة الفيلم الرائعة بعرض الفيلم جماهيرياً, إلا أن فرحتنا كادت تختنق على يد الهجوم العنيف الذي قادته إحدى الصحف المصرية ضد الفيلم وضد شخصية ناجي العلي رسام الكاريكاتير الفلسطيني الذي عاش عمره كله محارباً ومعتركاً بريشته ضد الإحتلال والإستسلام والتفكك العربي, صورنا الهجوم, نحن فريق الفيلم, كما لو كنا مجموعة من الخونة صنعوا فيلماً خصيصاً ضد مصر, حتى أنهم كتبوا وقالوا نور الشريف يقوم ببطولة فيلم الرجل الذي (شتم) مصر في رسوماته, والحقيقة أن هذا الاتهام باطل, فـ (ناجي العلي) كان يعشق مصر لأبعد الحدود وهذا ما توضحه رسوماته, ولكنه هاجم السادات عند زيارته للقدس, وهاجم اتفاقية كامب ديفيد, ناجي العلي لم (يشتم) مصر ولكنه عبر عن رأيه في رفضه لـ كامب ديفيد.

عاش نور الشريف يجسد الفن الراقى عاش مع شعبه يسخر ملكاته الفنية من اجل الوطن, فعاش فى قلب الشعب والوطن.

عزيزى القارىء اسمح لى أن اقدم لك نفسى اسمى(حنظله ),اسم أبوى مش ضرورى أمى اسمها(نكبه )– نمرة رجلى ما بعرف لأنى دائما حافى – جنسيتى ان مش فلسطينى ولامصرى ولا لبنانى ولا كويتى محسوبك انسان (عربى وبس ), التقيت صدفه بالرسام ناجى العلى والفنان نور الشريف كلاهما كارة شغله لانه مش عارف يرسم ولايمثل وشرحا لى السبب كل مابيرسم او يمثل ايهما يا بيحتاج لزعيم يا وزرارة يا سفارة وهما مابيحتاجا غير الوطن والشعب وقالا انهما لذلك ينويان يشوفا شغله غير هاى الشغله بعد ما طيبت خاطرهما وعرفتهما عن نفسى قلت انا مستعد ارسم عنكما كاريكاتير وأمثل دور او اثنين كل يوم وفهمتهما انى ما بخاف من حدا غير الله واللى بده يزعل يروح يبلط بالبحر .

قلت لنور الشريف وداعا قال :لا أنا مع ناجى العلى هناك أفكارنا نلتقطها من احاسيس الناس ولا أذكر اننا تلقينا يوما نقدا حول رسوماتنا او تمثيلنا من فئات شعبية ….نعلم اننا سنواصل الطريق فكلانا على موعد هناك بعيدا ولن نخلفاه سنلتفيا ذات يوم حاملين صورة الوطن فى العيون وسندق سارى علم فلسطين فى تراب الوطن وسنستمر.

كاتب ومحامى – مصري