فايق عمر: استفتاء إقليم كردستان.. هل المراد هو الانفصال؟

faiq-omar.jpg66

فايق عمر

مسألة استفتاء إقليم كردستان كانت موضوعاً مفروغاً منه، بمعنى أن إجراء الاستفتاء كان مجرد مسألة وقت، في انتظار أن تأتي اللحظة المناسبة للإعلان عنه. ورغم أن حكومة إقليم كردستان كانت قد هددت مراراً وتكراراً، طيلة السنوات السابقة، بتنظيم الاستفتاء، وخاصة كلما كان التوتر يشوب العلاقة بين أربيل وبغداد، لكنها كانت تتراجع في النهاية، بمجرد أن تعود المياه إلى مجاريها مع الحكومة المركزية. لكن حكومة الإقليم، وتحديداً الحزب الديمقراطي الكردستاني، أعلنت هذه المرة ومنذ البداية، أن لا راجعة عن قرار إجراء الاستفتاء في الموعد المحدد بتاريخ 25 أيلول المقبل.

ومنذ إعلان البارزاني عن موعد إجراء الاستفتاء، تنهال الانتقادات من الداخل والخارج، وهي في مجملها ليست انتقادات رافضة لحق الإقليم في إجراء الاستفتاء، بقدر ما هي تحفظات على موعده، ورفض الإقدام على هذه الخطوة في الوقت الذي يشهد فيه العراق جملة من الأزمات، ويمرّ بأوضاع صعبة على مختلف الأصعدة، تأتّى معظمها من الحرب التي يشنها منذ حوالي ثلاثة أعوام ضد تنظيم داعش، هذه المعركة التي استنزفت الكثير من قدراته وإمكاناته. ورغم أن العراق تمكن بعد معركة طويلة من القضاء على داعش في الموصل، لكن يبدو أنه لا يزال بعيداً عن إعلان النصر النهائي على الإرهاب في البلاد، فضلاً عن أن المرحلة التي ستعقب الحرب لن تمرّ بمصاعب وتحديدات أقل من تلك التي شهدها هذا البلد خلال فترة الحرب نفسها.

الانتقادات لإجراء الاستفتاء لم تقتصر على الحكومة المركزية في بغداد ودول الإقليم والعالم، بل انطلق كذلك حراك مدني داخل الإقليم، أطلق على نفسه “لا”، أي جبهة الرفض للاستفتاء، وعبّر صراحة أنه ضد إجراء الاستفتاء في هذا التوقيت، معتبراً أن استغلال الظروف الراهنة في المنطقة للإقدام على هذا العمل ليس بالضرورة أن يعود بالنفع على الإقليم، كما أبدا مخاوف حقيقية من أن الاستفتاء سيساهم بالضرورة في توتير العلاقات مع دول الجوار التي يعتمد عليها الإقليم بشكل شبه كلي في المجالين التجاري والاقتصادي، علاوة على أنه ربماً يقود إلى القطيعة النهائية مع الحكومة المركزية، وما يمكن أن يترتب على ذلك من أزمات ومشاكل، من الصعب التكهن بنتائجها وتداعياتها. هذا فضلاً، عن أن أحد أحزاب المعارضة الرئيسية، وهي حركة التغيير، لفتت صراحة إلى أن إجراء الاستفتاء يأتي ضمن أجندات شخصية وحزبية للتستر على ملفات فاشلة تورط بها الحزب الديمقراطي الكردستاني وشخص مسعود البارزاني.

في مقابل ذلك، هناك أمر في غاية الأهمية، وهو أن الديمقراطي الكردستاني، وبقية القوى المتفقة معه على إجراء الاستفتاء، لم تحدد بعد ما الذي تبتغيه تحديداً من هذه العملية، بمعنى هل الاستفتاء يعني تلقائياً الانفصال أم لا. هذا رغم أن وزير الخارجية العراقي الأسبق والمقرّب جداً من البارزاني، هوشيار زيباري، نفى في تصريحات تلفزيونية، أن يكون الاستقلال عن العراق هو الهدف المباشر لعملية الاستفتاء، بل اعتبره ورقة قوية في أية مفاوضات قادمة يخوضها الإقليم مع بغداد، حول كركوك وبقية المناطق المتازع عليها. ولعلّ من المفيد هنا التذكير بأن هناك تضارباً كبيراً في تصريحات المسؤولين بالإقليم حول هذه النقطة، ونذكر مثلاً، تعارض تصريحات زيباري مع ما أكده قبل أيام مسعود البارزاني بأن الاستفتاء وسيلة لتحقيق الانفصال عن العراق.

فعلياً، إقليم كردستان شبه مستقل عن العراق منذ إسقاط النظام السابق، ولديه علاقات قوية مع كل من إيران وتركيا، فضلاً عن علاقات جيدة مع الحكومة المركزية، رغم ما شابها من توتر في بعض الأوقات خلال فترة تسلم نوري المالكي لدفة الحكومة، والتي بدا أنها عادت إلى فترة الوئام مع تولي حيدر العبادي رئاسة الحكومة، فلماذا يفاجىء المسؤولون في الإقليم شركاءهم وحلفاءهم في الداخل والخارج باتخاذ هذه الخطوة؟ وهل هي بالفعل خطوة محسوبة العواقب والنتائج، أم إنها خطوة ارتجالية شجّعت عليها التغيرات والتقلبات التي تشهدها المنطقة؟ ثم، هل حقاً استُنفدت جميع فرص الحوار والتفاوض بين أربيل وبغداد، بحيث لم يبقَ أمام الإقليم من حلّ آخر سوى بشق طريق الاستفتاء، أم إن الحكمة تقتضي ممارسة حكومة الإقليم لمزيد من ضبط النفس، خاصة وأن العراق مقبل على مرحلة جديدة بعد هزيمة داعش، وبات لدى الإقليم أوراق قوية إضافية يمكن التفاوض مع بغداد على أساسها، وقد تضمن له كامل حقوقه دون اللجوء إلى ما يمكن أن يعتبره البعض استغلالاً لهشاشة الوضع الحالي في العراق.

على الأرجح أن الاستفتاء لن يقود مباشرة إلى إعلان الانفصال عن العراق، لأن حكومة إقليم كردستان تدرك تماماً أن إعلان الانفصال في غياب الدعم الدولي الكافي، فضلاً عن الرفض الداخلي والإقليمي، سيكون بمثابة انتحار سياسي. وبناء عليه، فإن الاستفتاء لن يعدو كونه مجرد عملية شكيلة، تريد من خلاله القوى النافذة في الإقليم، وخاصة الحزب الديمقراطي الكردستاني، باعتباره الطرف المبادر والمشجّع الأبرز للاستفتاء، تخدير الشعب وامتصاص حالة الاحتقان والغليان، التي زاد منها ظروف الحرب التي يشهدها الإقليم منذ سنوات، وفي الوقت نفسه استخدام الاستفتاء ورقة ضغط على الحكومة المركزية، تتم الاستعانة بها عند الحاجة، لا سيما أن العديد من الملفات والقضايا الخلافية مرشحة لأن تبرز على السطح، مباشرة بعد أن تضع الحرب أوزارها.

صحفي كردي