نتنياهو يَبدأ خَطوات حَظر قناة “الجزيرة” بتُهمة التّحريض على الإرهاب.. لماذا نتضامن معها ونحن من أبرز نُقّادها؟

 

atwan ok

عبد الباري عطوان

بعد تهديدات استمرّت طِوال الشّهرين الماضيين، وبالتحديد مُنذ بداية الأزمة الخليجيّة، أعلن أيوب قرا، وزير الاتصالات في دولة الاحتلال الإسرائيلي، أن حُكومته بدأت في اتخاذ خطوات عمليّة لإغلاق مكتب قناة “الجزيرة” القطرية الفضائية “بسبب دورها التحريضي ضد المُواطنين الإسرائيليين، ومُشاركتها في خسارتنا لخيرة أبنائنا”.

هذا القرار يعني أن بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، قرّر الوقوف في خَندق الدّول المُقاطعة لدولة قطر، والانضمام رسميًّا إلى “الحِلف السنّي” الجديد الذي تقوده المملكة العربية السعودية.

الوزير قرا أكّد على هذه الحقيقة بقوله “أن إسرائيل استندت في قرارها إلى قيام دول عربية سنيّة بإغلاق مكاتب “الجزيرة” لديها وحَظر عملها، وأضاف “لا مكان لقناة تُؤيّد الإرهاب في إسرائيل”.

***

الإرهاب الذي يتّهم الوزير الإسرائيلي قناة “الجزيرة” بدعمه هو المُقاومة الفلسطينيّة التي تُمارس حقها المشروع في النضال، بالطّرق كافّة لاستعادة حُقوقها المشروعة في العَودة ومُقاومة الاحتلال الإسرائيلي لاستعادة الأراضي الفلسطينيّة كلها من البحر إلى النهر.

فإذا كانت مُقاومة الاحتلال هي “الإرهاب” فإن قناة “الجزيرة” وكل العاملين فيها، والدولة التي ترعاها وتبث من أراضيها، قد حصلت على أعلى وسام في تاريخها، واستحقت دعم الشعوب العربية كلها، دون أي استثناء، ولن يَفرح بهذه الخُطوة الإسرائيليّة ويُؤيدها إلا من يَقف في خندق هذا الاحتلال.

عندما يقول الوزير قرا أن اسرائيل ستحذو حذو السعودية ومصر والإمارات والبحرين، التي أغلقت مكاتب القناة وأوقفت عملها هناك، فإنه يُوجّه إلى هذه الدول الأربع ضربة قويّة وصاعقة في وقت تُبذل فيه جُهودًا كبيرة، لإقناع الشارع العربي بصحّة موقفها، بهدف تحشيده إلى صفّها ضد دولة قطر وقناة “الجزيرة”، تحت ذريعة دعمها للإرهاب.

لا نَحتاج إلى إثباتات أو براهين تُؤكّد أن دولة الاحتلال الإسرائيلي لم تكن، ولن تكون، دولةً ديمقراطيّة، حتى نُضيف إليها إقدامها على إغلاق قناة “الجزيرة” الذي يُشكّل انتهاكًا لكل قيم الحريات التعبيريّة، التي تُمثّل جوهر أي ديمقراطيّة حقيقيّة، فهذه الدولة التي تحتل الأرض، وتُمارس أبشع أنواع التمييز العُنصري في العَصر الحديث، وتُنفّذ الإعدامات الميدانيّة ضد العُزّل في باحات المسجد الأقصى، ليس لها أي علاقة بالديمقراطية وحُقوق الإنسان، التي نَعرفها، ويَعرفها العالم بأسره، وديمقراطيتها هي نُسخة أكثر بشاعة من ديمقراطية النظام العُنصري البائد في جنوب أفريقيا.

عارضنا في هذا المكان وغيره إغلاق، أو حجب، القنوات الفضائيّة السوريّة عن القمر العربي “عربسات”، وقبلها نظيراتها الليبيّة والعراقيّة، ولذلك سنُعارض، ونُدين، بالقوّة نفسها أي إغلاق، أو حجب، لقناة “الجزيرة”، سواء في الأراضي العربيّة المُحتلّة، أو أي عاصمة عربيّة.

***

كنّا من بين أكثر المُنتقدين لقناة “الجزيرة”، وأبدينا تحفّظات على تغطياتها في دُولٍ عربيّة عدّة، وخاصّةً ليبيا وسورية، واستضافتها للمسؤولين الإسرائيليين على شاشتها، ولكنّنا لن نَقف مُطلقًا في خَندق الذين يَحظرون بثها، ويُغلقون مكاتبها، إيمانًا منّا بحُريّة التعبير، وقيم الديمقراطية الحقّة، نقول هذا ونحن الذين لم نَظهر على شاشتها منذ سبع سنوات ونيّف.

الحَظر على “الجزيرة” وإغلاق مكاتبها في فلسطين المُحتلّة، يعني بالنسبة إلينا الحَظر على الحقيقة، والتعتيم على جرائم الاحتلال، وتهويده للأراضي المُقدّسة، والمساجد والكنائس العربيّة والإسلاميّة، وعلى رأسها المسجد الأقصى المُبارك.

من يُعادي “الجزيرة”، ويتحفّظ على برامجها ونَهجها الإعلامي، لا يَجب أن يُغلق مكاتبها، وإنّما مُحاربتها ومُنافستها بالسّلاح نفسه، أي إطلاق المحطّات، والتحلّي بقدرٍ أكبر من المهنيّة والحُريّات التعبيريّة، وخاصّةً أن هؤلاء لا يعوزهم المال، ويَملكون منه أضعاف ما تَملكه دولة “الجزيرة”.