د. حسين سالم مرجين: التدخل الخارجي ودوره في رسم سيناريوهات المنطقة العربية

husain salem marjin

د. حسين سالم مرجين

لا يزال المناخ في المنطقة العربية يشير إلى وجود أعاصير سوف تواجهها المنطقة، فبعد الحراك المجتمعي العربي أواخر 2010م وبدايات 2011م،أوما يمكن أن تسميته بالإعصار العربي، والمدعوم خارجيًا، بالرغم من كون ذلك الدعم الخارجي ما كان يستطيع أن يفتعل ذاك الحراك العربي ” الإعصار”  وبتلك القوة لولا وجود دواعي حقيقة أدت إليه، حيث نتج عنه انهيار أنظمة سياسية حاكمة شاخت في مواقعها وهي تشعر أن تلك الأعاصير سوف تتجاوزها، ثم لا تستطيع في نفس الوقت أن ترى ضرورات التغيير، وكان من نتائج ذلك الإعصار أيضًا دخول المنطقة العربية في حالات فوضى خلاقة، أو ما يمكن تسميته بالناركية وهي تعني غياب أو تفتيت جميع مؤسسات الدولة، فبعدما فتحت شعوب المنطقة قلبها لذلك الحراك وصنعت خيالها وآمالها وعلقتها على مستقبلها أو ربما علقت مستقبلها عليه، إلا أن ذلك الحراك المجتمعي فقد جزءا كبيراً من بريقه الوطني، وظهرت بقع الصدأ على سطحه، مما أوجد حالة من خيبة الأمل لدى شعوب المنطقة في بناء نظم ديمقراطية حضارية مزدهرة، بعدما تحوّلت مشاكل المنطقة إلى تدخلات دولية سافرة، فالتدخل الخارجي سمح باندلاع الفوضى الخلاقة لتجّرمن ورائها شبح العنف، إضافة إلى قيام ” التدخل الخارجي “بالعمل على إذكاء روح الانقسام الداخلي المبني على الروح المذهبية والطائفية والقبلية، والذي وجد لها أرضية خصبة في دول المنطقة، فالانقسام الطائفي والمذهبي والقبلي أوجد أيضًا انقساماً سياسياً، إضافة إلى موجة عنف رهيب  وصلت إلى درجة الحرب الأهلية في دول الحراك العربي، حيث وصلت إلى درجة متدنية من التمزق، مما جعل المنطقة برمتها عبارة عن بؤر وعشش للدبابير فجاءت داعش، والحشد، وانصار الشريعة، وغيرها من المليشيات والجماعات المسلحة بمبررات طائفية أم مذهبية أم قبلية، ومع استمرار حالات الترقب التي تعيشها المنطقة بقدوم أعاصير جديدة، خاصة بعد الدور الزئبقي الأمريكي وتأثيره في إذكاء الصراع الداخلي في منطقة الخليج، والذي بدأ يدفع نحو إذكاء الصراع بهدف إعادة الترتيب والمراجعة، تحقيقا للمصالح الأمريكية، حيث لاحظنا إفراغ التصريحات والاتصالات الأمريكية من أي مدلولات عملية أم فعلية، لتؤكد ذلك الدور الزئبقي الأمريكي المقصود ،فالمشاكل والصراعات العربية الداخلية لا تعني لأمريكا أي شيء، كما أنها لا تنظر لما يحصل في المنطقة العربية ولا لمستقبلها إلا ما يخص مصالحها فقط، وبالتالي هذا ما يفسر الدور الزئبقي الذي تقوم به الإدارة الامريكية ما بين أطراف الصراع في الخليج العربي،وبشكل عام يمكن رسم عدد من السيناريوهات التي يمكن أن تؤول إليه المنطقة، وهي كالتالي :

  • بات واضحاً أن المرحلة الحالية سوف تشهد انتقالا للنظام العربي من مرحلة المطالبة بالقيام بالإصلاح والديمقراطية، إلى مرحلة المطالبة بتحقيق الاستقرار الأمني ومكافحة الارهاب.

  • استمرار قيام الإدارة الامريكية نحو إذكاء الصراع في المنطقة وخلق الأزمات وإدارة أعمال العنف السنية- الشيعية، وبالتالي تقسيم المنطقة إلى محورين، هما: محور سني وآخر شيعي.

  • السعي الحثيث من قبل المحور السعودي والمصري” بمباركة أمريكية” نحو تصفير الدور القطري في المنطقة، حيث تمكن هذا المحور تحت غطاء التعاون والتضامن العربي من أجل محاربة الإرهاب من استغلال نفوذه البارز للتأثير في محاولات تصفير الدور القطري، بهدف إعادة ترسيم قواعد جديدة في المنطقة، حيث إننا أمام صراع زعامات في المنطقة، بمعنى صراع حول من يقود النظام العربي الجديد.

  • السعي الأمريكي نحو إطلاق مولود جديد في المنطقة العربية وهو ” الدولة الكردية ” بالرغم من الرفض التركي والعربي والإيراني لشرعية هذا المولود، حيث سيواجه هذا المولود البعبع التركي الذي له حسابات إستراتيجية تتلاقى معدول المنطقة حول رفض هذا المولود.

  • لم تعد إسرائيل تشكل خطراً جسيماً وتهديداً على النظام العربي الجديد أنما ستشكل الحماية الاقتصادية والعسكرية والسياسية والأمنية للنظام الجديد، بالتالي سوف يسعي المحور الجديد السعودي المصري إلى البحث عن قيادات فلسطينية جديدة قادرة على عدم زعزعة تلك الحماية.

  • استمرار تدويل المسألة السورية حيث ستستمر الساحة السورية كبؤرة صراع روسي أمريكي وربما أوروبي، حيث يهدف هذا التدويل إلى إعلان نهاية دولة سوريا من دون شهادة وفاة، وميلاد لعدد من الكانتونات السنية، والعلوية، والمسيحية وربما أخرى درزية سوف تعيش برعاية خارجية ووصايتها، كما أن كل ذلك سيكون له تأثير على دول الجوار سواء على أمنها الوطني أم استقرارها المجتمعي.

  • استمرار حالة الحرب في اليمن وليبيا ، كما أن تلك الحروب لن تتوقف مالم يتم وقف التدخل الخارجي لأطراف الصراع، إضافة إلى أن استمرار الحرب سوف يؤثر مستقبلا على دول الجوار سواء من انتشار السلاح،أم استقرارها المجتمعي، كما أن الدولتين ليسا بمنأى عن إعلان التقسيم،حيث سيؤدي ذلك إلى انقسام شعوب الدولتين بين من يريد الحفاظ على هويته الوطنية، وبين من يريد أن يصنع له هوية جديدة ووطنا بديلا.

وحاصل القول إذن أن مشكلات المنطقة سوف لن تنتهي ابدًا إن بقي التدخل الخارجي في المنطقة مستمرًا ، كما يمكن تأكيد القاعدة العلمية في علم الاجتماع التي تقول إن كل ظاهرة باقية طالما بقيت الأسباب التي أدت إليها، ومعنى هذا ببساطة شديدة أننا في انتظار مناخ غير اعتيادي في المنطقة.