يوسف زيدان والقتل غير الرحيم لصلاح الدين

khalid fathi.jpg66

الدكتور خالد فتحي

لااكتمكم اني من أشد القراء شغفا بيوسف زيدان، بل أنا من يغري صاحب المكتبة الكبيرة بقرب منزلي بجلب كتبه الجديدة الصادرة عن دار الشروق المصرية، وغالبا ما أحجز  النسخة الأولى منها مما يوزع بالمغرب، الرجل له اسلوب أدبي رفيع عز نظيره، وكتابات مميزة ،ومعلومات  وفيرة  ينهل فيها من التاريخ والفلسفة والدين والتراث،  ويدون باسترسال رواءي ممتع وإطباق تام على عقل القارىء وشعوره.

ولكني، رغم كل هذه الخصال التي أعترف بها له، لم أتمكن لليوم من منحه شيك إعجاب على بياض، كما فعلت مع كتاب آخرين أرضى كتابتهم وارضى سريرتهم أيضا. فيوسف زيدان من طينة أولئك الكتاب المثيرين للجدل الذين تحير معهم بسبب خرجاتهم التي تتوالى بشكل سريع، جريا محموما منهم وراء ذيوع الصيت والشهرة، او تفانيا منهم بكل بساطة في خدمة مشروع سياسي او إيديولوجي مقنع تعوزهم الشجاعة للإفصاح عنه علانية. مناسبة هذا الحديث تحامل كاتبنا هذا المبالغ فيه مؤخرا على يوسف صلاح الدين الايوبي محرر القدس وبطل الحروب ضد الصليبيين.

هذا التحامل الذي يبغي إسقاطه من تلك الصورة التي جعلت له في مخيال العرب والمسلمين، والتي يبدو أنها تثير حنق زيدان لتجعله   يتاخم بتحامله حدود التشهير المنظم والمخطط له. بل انه يبلغ أحيانا من خلال بعض التصريحات الطائشة درجة عليا من الحقد والمقت لهذه الشخصية العظيمة او التي نتوهمها عظيمة إذا ما وثقنا بمذهب زيدان في البحث والكتابة.

لقد ألصق كاتبنا بصلاح الدين كل موبقات التاريخ ،ونزع عنه فضيلة الجهاد والتقوى، بل وحتى صفة الإنسانية ،وبلغت به جسارة الهجوم  الى وصفه بأنه من أحقر الشخصيات التاريخية .اعتبره خاءنا للسلطان نور الدين زنكي وللخلفية المعتضد الفاطمي على السواء، ديكتاتورا سفك دماء العلماء كالصوفي شهاب الدين السهر ووردي، جبارا مفسدا في الارض فلم يصلح يوما،  احتجز المءات أو  الآلاف  من أبناء الأسرة الفاطمية الحاكمة مفرقا بين اناثهم وذكورهم حاءلا بينهم وبين الزواج لاستئصال شأفتهم بهذا الشكل الذي لا يقبله دين أو  شرع او ذوق  او إنسانية. ثم زاد فرأى في حربه ضد الصليبيين ممالأة لهم على أراضي المسلمين. بل ومحض تخاذل ومناورة وادعاء للجهاد.

وتطرف اكثر في غيظه منه، فحاكمه على المصائب اللاحقة التي أصابت المصريين والشاميين بعد وفاته على يد المماليك الذين كان صلاح الدين اول من جلبهم كارقاء واستعملهم في أمور الدولة.

ولم يتورع فوق هذا، ان يتهمه بكونه هو من حطم نصف الأهرامات ليبني بحجرها قلعته الشهيرة بالقاهرة، ويسوم المصريين الخسف والظلم والاستبداد. أي باختصار شديد، لقد حول زيدان صلاح الدين من بطل قومي الى طاغية نذل. لكننا مع كل هذا التنكيل الذي اوقعه  ببطل يحتل الى اليوم قلوب المسلمين خصوصا وهم يرون تخاذل الحكام العرب عن خوض معركة فلسطين، لن نحاول ان نجادل زيدان في صحة معلوماته، فهو  من هو: مدير دار الآثار والمخطوطات المصرية سابقا ، والباحث الجهبيذ في أمهات الكتب حول اللاهوت والناسوت، إضافة الى قدرته الحجاجية المبهرة  لدرجة انه استدل لأجل تحقير بطل حطين بالمؤرخين و العلماء من السنة الذين هم أهل وشيعة صلاح الدين ، هذا الكردي الذي كان له الفضل في القضاء على مصر الشيعية وضمها  من جديد تحت جناح الحكم العباسي السني في بغداد.

ولكننا سنتساءل على مستوى أكبر  من هذا .هل من حق زيدان ان يشن كل هذا الهجوم على تاريخ الأمة؟ وهل تبيح له حرية البحث العلمي ان يمرغ سمعة هذا التاريخ في التراب.؟ وهل باسم توخي الحقيقة التاريخية يمكننا دون تأنيب ضمير ان نحطم أيقونات  التاريخ الإسلامي سواء كانت حقيقية اومصطنعة؟  وهل بمثل هذه الأعمال الأدبية يروم زيدان تخليصنا مشكورا من الأوهام، او على العكس منذلك يروم إحباطنا  وإقناعنا بلا جدوانا وبأننا عبارة عن شيء ما على الهامش أو  عن لاشيء .مجرد صفر في مضمار الحضارة الإنسانية. او محض حثالة بشرية؟

وهل ارضاء غرور زيدان مقدم على ارضاء غرور ومخاتلة عنفوان أمة باكملها؟ ثم وهذا هو الأهم هل كان مروره على رأس دار المخطوطات المصرية لصيانة هذا التراث او لتحطيمه؟

قد تكون معلومات زيدان صحيحة  فهو الباحث المنقب الذي يملك دائما  اكثر من دليل واحد على مزاعمه،  لكن مراميه ونواياه ليست صحيحة ولانزيهة .  فكل الشعوب تسعى في لاوعيها ولاشعورها الى أسطرة بعض الشخصيات وصنع صورتها صنعا تلبية لحاجات نفسية.

وصلاح الدين يلبي هذه الحاجة النفسية المستعرة لدى العرب والمسلمين لمقاومة إسرائيل، واستعادة التاريخ الذهبي الذي ولى ربما برجعة او بدون رجعة. هناك داءما حياة واقعية للبطل كما للأنبياء  أنفسهم لأن  الكل في النهاية مجرد بشر يأكل  وينام ويحب، وهناك الى جانب هذا حياة افتراضية يحبكها لهم المريدون من خيالهم يؤثثونها انطلاقا من امانيهم، وينحتونها نحتا ، مرة بأشياء واقعية ومرات كثيرة بأشياء غير واقعية من نسج الخيال والرغبة في البقاء. البطل في المخيال الشعبي داءما أكبر كثيرا مما كان حقيقة في حياته.

هذه العملية المركبة التي تجري و تعتلج في لاشعور الشعوب على مدى أجيال وقرون طويلة هي عملية طبيعية جدا. وحق من حقوقها الأصيلة ، وهي نفس العملية التي أصبحت تستغرق الآن وقتا أقصر من خلال صناعة أبطال خارقين يخرجون لنا الآن من فايسبوك و تويتر وانستغرام . الشعوب تقيم من هذه الشخصيات منارات لها في الليالي البهيمة التي يعز فيها الضوء والمجداف.هي نبراسها الذي يقودها نحو الغد المختلف عن الحاضر.

 وصلاح الدين قبل ان يحييه جمال عبد الناصر في الفيلم الشهير لأحمد مظهر والذي يحمله زيدان فوق طاقته الفنية والسياسية كفيلم، له الكثير من مبررات البقاء والحياة خالدا في وجدان الشعوب العربية والإسلامية بنفس الوهج والحضور اللذان هو عليهما الآن، و بعيدا جدا عن فكرة المخلص التي تستهوي قلب زيدان. فالجماهير العربية تعرف ان التاريخ لا يكرر نفسه بنفس الشكل

 وتعرف أن  صلاح الدين جزء من الذاكرة التي نخزن فيها حقنا المشروع في تحرير الأرض السليبة و استعادة الكرامة الضائعة. وانه مستودعنا الذي نحتفظ فيه بألق الماضي الجميل ،وأنه  من تلك الشخصيات التي ترسم الأفق ،وتحدد السير سواء كانت الصورة المطبوعة عنها صحيحة او  مختلقة .صلاح الدين يؤدي مهمة جليلة في الشعور العربي تحث على المقاومة وعدم التطبيع مع الهوان والصغار.

ولو كان صاحبنا زيدان هذا يبتغي الحقيقة العلمية لاكتفى بنشر ما توصل إليه في مجلات علمية او ندوات تحضرها النخبة الباحثة في التاري . لكنه ينزل بالصورة الجديدة لصلاح الدين الى المعترك الشعبي لينهال بمعوله على الصورة القديمة ويثبت شيئا آخرمختلفا، شيء بغيضا ينفر النفوس ويكسرها. يمنحنا بديلا يزرع الإحباط في النفوس  ، ويشكك الامة في تاريخها، لنهيها عن النهوض من جديد.

اذكر انه عند تهييء لاطروحتي في الطب حول التربية الصحية اني قرأت في احد المراجع ان أطباء أوروبيين مهتمين بمحاربة نقص التغذية كانوا قد اكتشفوا لدى بعض القبائل الإفريقية تقليدا خرافيا يتمثل في ان وضع سوار جلدي لدي الأطفال في المعصم يمنع عنهم الأرواح الشريرة ويجنبهم الوقوع في براثن السحر فكان ان حافظوا عليه ولم يناقشوهم في حقيقت حقيقته العلمية من عدمها لان السوار مفيد  لمراقبة صحة الطفل التي تكون جيدة بقدر ما يلتصق السوار بالمعصم.

والمعنى هنا انه  لا ينبغي أن نتصدى لكل المعتقدات، و أن نحطم كل الأساطير لمجرد أنها  زائفة  أو لاعقلانية، فبعضها ضروري لشحن همم الشعوب وتعبءتها للخروج من الضعف و التخلف. وحمايتها بالخصوص من الهزيمة النفسية. ماذا كان يضير يوسف زيدان أن  يترك لنا صلاح الدين خالصا من الشوائب  بالضبط كما نتوهمه؟

فنحن سعداء بهذا الوهم .ماذا ينفع زيدان ان يشكك في وجود العوام المسيحي القبطي الذى أدى الأمانة حيا وميتا، وإلى ماذا يرمي من وراء ذلك  غير نسف اللحمة الوطنية التي تجمع المسلمين بالأقباط  بمصر؟؟. لقدحق انا ان نسأل عن دواعي هذا القتل غير الرحيم لبطل مسلم نعتبره محقين او مخطئين رمزا للدفاع عن الأرض والعرض.؟

وهل فكر صاحب عزازيل في الآثار المدمرة لمثل هذه الكتابات او على الاقل في الفائدة المتوخاة منها؟

ثم الم  يكن الاجدى ان  يوفر حقده على صلاح الدين ويبحث بعلمه الواسع عن نفض الغبار عن شخصيات عربية وإسلامية اخرى عظيمة نجهلها  تقوي فينا جانب الأمل والثقة والاعتداد بالنفس؟؟ .  واخيرا نسأله سؤالا بليدا: لمصلحة من يصب هذا الإجهاز على صورة صلاح الدين. هل لإيقاظ العرب والمسلمين من اوهامهم أو لايهامهم انهم ليسوا لا بأمة ولا بحضارة.

أستاذ بكلية الطب المغرب