ايهود باراك يتجاهل الخطر

barak.jpg66

بقلم: اللواء احتياط غيرشون هكوهن

تمهيدا لزيارة الرئيس دونالد ترامب الاسبوع القادم فتحت معركة جديدة على مستقبل شعب اسرائيل في بلاد أبائه وأجداده، اشعالا من جديد لامل الساعين الى الانفصال والانسحاب في يهودا والسامرة وفي القدس، انضم ايهود باراك في انتقاد شديد على كتاب ميخا غودمان “شرك 67″. يتركز النقاش في مسألة هل يمكن لدولة اسرائيل ان تدافع عن نفسها كما ينبغي, حتى بعد الانسحاب من يهودا والسامرة؟

جواب باراك قاطع: الامتناع الاسرائيلي عن الانفصال عن الفلسطينيين وعن الانسحاب الى خطوط 67، مع تعديلات في الكتل الاستيطانية، هو في نظره “تهديد وجودي مؤكد على مستقبل المشروع الصهيوني”، اما التهديدات التي من شأنها ان تتشكل بعد الانسحاب فهي “مخاطر فنية عسكرية”. اما الفرضية الاساس لليمين، التي تشخص في الانسحاب المحتمل تهديدا جديا فيلغيها باراك. اسرائيل، في نظره، هي الدولة الاقوى في المنطقة من الناحية العسكرية. اذا ما تمكنت فقط من تحقيق الخطوات المتوقعة منها، فبوسعها، حسب تقديره، مواجهة المخاطر العسكرية من كل نوع ممكن. غير أن التاريخ يعلمنا بان حتى القوى العظمى من شأنها أن تفشل كالروس والامريكيين في افغانستان.

منذ فك الارتباط عن غزة في صيف 2005، يوجد لشعب اسرائيل نموذج للمقارنة الملموسة بما من شأنه أن يحصل ويهدد أمننا من دولة فلسطينية في المناطق. ومسألة كيف يمكن ضمان الا يحصل واقع بالمنطق المشابه لقطاع غزة بشدة أكبر في الضفة، وهذه المرة في مواجهة التجمعات السكانية الاسرائيلية الاساس في السهل الساحلي، يمكن شرحها لطفل ابن خمسة.

باراك ومؤيدوه يعدون بان تكون الدولة الفلسطينية مجردة من السلاح. يجدر بنا ان نستوضح الى أي مدى يمكن لهذا الوعد أن يتحقق، ولا سيما في عصر يتوفر فيه انتشار السلاح في العالم لكل من يزيد في السعر، قدرة التهريب غير القابلة للرقابة، مثلما يحصل في ضخ السلاح لحماس في غزة ولحزب الله في لبنان الى جانب قدرة الانتاج المحلية التي تواصل التطور. النهج الاخر، الذي يستبعده باراك بصفته يمينيا وهميا، يدعي بان ابقاء حالة التجريد حيوية للحفاظ  على جهد امني دائم في المناطق في ظل العزل التام للمنطقة ومن خلال التواجد المدني الاسرائيلي الذي يقيم نمط حياة عادية في المجال.

لنفترض للحظة، كما يدعي باراك، بان اليمينيين يعانون من ادخال الايديولوجيا الى اعتباراتهم، ولكن ما العمل في أن العمق الاستراتيجي لقاطع الشاطيء الضيق لم يولد في عقل اليمينيين. في كتابه “مثل الان غدا” الذي صدر في 1978، كتب شمعون بيرس ما يلي: “اذا قامت دولة فلسطينية منفصلة، فستكون مسلحة من اخمص القدم الى الرأس، كما ستكون فيها قواعد لقوات المخربين الاكثر تطرفا، بل وسيكونون مزودين بصواريخ كتف مضادة للطائرات والدبابات، لا تعرض للخطر فقط المارة بل وكل طائرة ومروحية تقلع في سماء اسرائيل، كل مركبة تتحرك في شرايين الحركة الاساس للسهل الساحلي… المشكلة الاساس ليست الاتفاق على التجريد من السلاح بل تنفيذ مثل هذا الاتفاق عمليا” (صفحة 255).

يوجد حدود لكل شيء

مثل الكثيرين ممن يؤيدون الانسحاب، يدعم باراك حججه في أن معظم خبراء جهاز الامن يؤيدون نهجه. عدديا هذا صحيح ولكن ماذا يعني هذا. فقد تعلمنا من غاليليو كم هو التقدم منوط بالتفكير العلمي النقدي وتطويره. والادعاء بان الرأي يكون صحيحا علميا لكونه رأي الاغلبية، يعود للكنيسة أو للمؤسسة الحاخامية الفقهية. لا أنشتاين ولا شيختمان نالا في بداية طريقهما تأييد اغلبية الاسرة العلمية.

امامنا فرصة لاستيضاح مدى خبرة كبار المسؤولين في جهاز الامن عندما يبحثون في المسائل الاستراتيجية. في بداية حرب الاستقلال، في نقاش مع جنرالات هيئة الاركان، قرر دافيد بن غوريون: “في الشؤون الفنية سنستخدم مشورة الخبراء. ولكن المقررين في كل شيء لن يكونوا الخبراء، بل ممثلي الشعب. ليس الخبير هو الذي يقرر اذا كنا سنخوض حربا أم لا. وليس الخبير هو الذي يقرر اذا كنا سنحمي النقب أم لا (“في قتال اسرائيل”، صفحة 80). وفي مسألة مستقبلنا في المناطق أيضا، للخبراء مجال لابداء الرأي ولكن ينبغي لنا أن نتذكر بان هذه ليست مسألة رجال مهنة عديمي الانحياز السياسي. في المسائل الاستراتيجية، بخلاف المسائل الفنية، لا نجد أن الخبراء مطلعين على ما سيحصل.

 يدافع باراك في مقاله عمليا عن موافقته كرئيس وزراء اسرائيل في العام 2000 على حل الدولتين، في صيغة مباديء كلينتون. الفجوة بين الخطوط الهيكلية التي وافق عليها اسحق رابين في مسيرة اوسلو، وبين مباديء  كلينتون، جوهرية. ففي خطابه الاخير في الكنيست في 5 تشرين الاول 1995، شدد رابين على أربع مباديء اساس:

 1. “نحن نتطلع للوصول الى وجود دولة اسرائيل كدولة يهودية، 80 في المئة على الاقل من مواطنيها يهود”.

2. “أولا وقبل كل شيء، القدس الموحدة، التي تضم ايضا معاليه ادوميم، وجفعات زئيف، كعاصمة اسرائيل، بسيادة اسرائيل”.

3. “الحدود الأمنية لحماية دولة اسرائيل تكون في غور الاردن، بالمعنى الاوسع لهذا المفهوم”.

4. “بالنسبة لهوية الكيان السياسي الفلسطيني الذي سيقوم في مجال بلاد اسرائيل غربي الاردن: “سيكون هذا كيانا اقل من دولة ويدير بشكل مستقل حياة الفلسطينيين الخاضعين لامرته”.

أما مباديء كلينتون، التي وافق عليها باراك وايهود اولمرت، فتؤدي بالمقابل الى تقسيم القدس وهجر السيطرة الواسعة في غور الاردن. هذا خروج حقيقي عن فكر رابين، الذي قرر سيطرة في مجال الغور بـ “التفسير الاوسع للكلمة”.

في نمط تفكير وهمي وصف باراك مفترقات القرارات لدينا بانها لازمة الخيار بين طريقين فقط: إما الانسحاب من الضفة او التدهور الى دولة أبرتهايد. بعد تطبيق عناصر اساس في اتفاقات اوسلو يبرز السؤال كيف يمكن الحديث بشكل جدي عن استمرار حكمنا لشعب آخر في ميل الابرتهايد؟ فمنذ كانون الثاني 1996، بعد الانسحاب الاسرائيلي الكامل من المناطق المأهولة في الضفة (مناطق أ و ب) والانسحاب من غزة اكتمل في ايار 1994، انتهى عمليا حكمنا على شعب آخر. نحو 90 في المئة من عموم السكان الفلسطينيين في الضفة يعيشون منذئذ تحت سيطرة السلطة الفلسطينية فيما أن حماس تدير حياة السكان في قطاع غزة. بقي الخلاف على مجال القدس وعلى المجال الذي يسمى مناطق ج. في هذه المجالات، تحت سيطرتنا – وبينها كل المستوطنات، معسكرات الجيش، الطرق الرئيسة، المناطق المسيطرة الحيوية والمجال المفتوح على غور الاردن – كان في فكر رابين الحد الادنى اللازم للحفاظ  على مجال اسرائيلي قابل للدفاع.

مع حلول زيارة ترامب وتطلعه لتحقيق صفقة يجدر بنا أن نعرب  عن موقف اسرائيلي ذي أساس من الاجماع الوطني الواسع: نعم لمباديء رابين، على اساس مباديء خطابه الاخير ولا لمباديء كلينتون – باراك.

اسرائيل اليوم  19/5/2017