بلا قناع: الكراسي.. والمتاجرة بالدم السوري

ali-kanan-ok 

علي كنعان

يقول أبو الطيب المتنبي:

وإذا ما خلا الجبانُ بأرضٍ/ طلبَ الطعنَ وحدَه والنزالا.

كان هذا البيت خاتمة جدالنا، وصاحبنا يزهو مثل ديك رومي على جميع الحاضرين، متباهيا أنه تخلى عن الأدب والصحافة لصالح الكفاح المسلح، وأنه استطاع بدخله البسيط إنشاء كتيبة قتالية في ريف تفتناز، شمال سوريا. لكنه تناسى أو أغفل أن يضيف أن فرسان الكتيبة- وربما ضحاياها أيضا!- سوف يبايعونه، بعد النصر الحاسم، أميرا مظفرا على تلك الإمارة الموعودة، وإن لم يبق منها غير أطلال دامية من الأنقاض والحرائق والقبور.

هذا المخلوق العجيب وأمثاله من المناضلين في أفخم الفنادق السياحية.. لم يجدوا شغلا أوفر مردودا من المتاجرة بالدم. وحين تسأله عن صُوَيحباته وأصحابه الذين كانوا نجوم المهرجانات العائلية والعامة في وزارة الثقافة السورية، واستطاعوا بالخداع والابتزاز أن ينهبوا من ميزانيتها البائسة مئات الآلاف في كل موسم.. يجيبك بفخار: “حلال عالشاطر.. فالسارق من السارق كالوارث من أبيه”!

لكن ما يجري على أرض الواقع شيء آخر وصورة مختلفة، ولا أمل بتغيير هذه الصورة أو إخفائها، وهي تمضي صعدا نحو الختام، وإن تكاثرت الصلوات حول البيت الأبيض، وانكب أصحابها على عتبات البنتاغون وأتباعها في حلف الناتو، راجين أن تبادر إلى تسليح المزيد من المرتزقة، إن لم يكن في نيتها أن تشارك في الهجوم الرامي إلى رفع راية الحرية وإقامة ميزان العدالة على الطراز الصهيوني، واحة الديمقراطية في هذا الشرق الهمجي المنكوب.

. . . . .

داعية آخر من أنصار سعار العنف الدموي، كانت “دوحة” الكرم العربي قد وعدته بمجلة فصلية، وربما شهرية، ثم أسبغت عليه فضلها بالعمل في طاقم صحيفة يومية، ولو باسم مستعار أو من وراء ستار، على أن يواصل الجهد الحثيث لاستيراد وتصنيع ما أمكن من “الثوار” وتشجيع غزواتهم الجهادية في مخادع البغاء المدعوم بإذن شرعي. والأهم أن ألا يتوانى عن المتاجرة بالدم السوري البريء. فما دام الليبرالي الطارئ أو الماركسي المرتد.. بعيدا عن الخطر، وفنادق الضيافة الغامرة مفتوحة أمامه ليل نهار، فلا بأس ولا حرج من الاستمرار في اللعبة الدموية القذرة، وأيا كانت العاقبة فهو باق في مأمن حصين، وشعاره المرفوع مقرون بالمثل الشعبي القائل: “فخَّار يكسر بعضه”.. و”كله عند العرب صابون”!

هذا المخلوق العنتري العجيب حقق إنجازات جلى في دروب الحرية، فضلا عن ميادين الكفاح المسلح، وآخر إعلان مأجور اعتاد على ترديده بحماسة في مجالسه: “تأكدوا يا إخوان، لولا سخاء الدوحة، أم المكارم، لجاع الشعب السوري”! ولكنه لا يعرف أن شعب سوريا، بكل فئاته وأطيافه وانتماءاته، من أكثر شعوب الأرض حبا  للعمل والكدح والإنتاج بجد وأناة واصطبار. والأرض السورية، بمناخاتها المتنوعة من سهول الساحل إلى الجزيرة والبادية، مرورا بالمرتفعات الداخلية والحقول الوسطى، من أكثر البلدان خصوبة وعطاء في جميع المواسم. ويوم كنت أقول للأصدقاء اليابانيين: “نصيب كل سوري أربع شجرات من الزيتون، وهو أقل ثروات سوريا الزراعية..” كانوا يشهقون دهشة وإعجابا، ذلك أن مساحة اليابان تبلغ ضعفي مساحة سوريا، وتربتها الصالحة للزراعة لا تزيد عن 14 بالمئة من المساحة، وعدد السكان يقارب خمسة أضعاف سكان بلادنا. ولست أدري بأي منطق هستيري وأية حماقة عشواء ينعق ذلك الغراب، مؤكدا أن الشعب السوري معرض للموت جوعا لولا المكارم القطرية التي بادرت لإنقاذه. فهل كانت المتاجرة بأعراض القاصرات وضحايا الرقيق الأبيض من لاجئات سوريا جزءا من تلك المكارم؟! يا حسرة عليك يا درة بلاد الشام، يبدو أن الذين كانوا يستحون ماتوا واستراحوا.

. . . . .

السؤال الموجع: هل تساوي شهوة الزعامة واقتناص الكراسي، والاستغراق في سعار العنف طمعا بالوصول إليها، كل هذا الدمار وهذه الدماء المسفوكة بإصرار عبثي غاشم؟ إن مسار الأحداث يؤكد أن نجوم الردح والفضائيات المنادين باستمرار الصراع والتفجير لا إمكانية لهم باستلام أي كرسي برلماني ولا حتى بلدي في مستقبل سوريا، فضلا عن كراسي الحكومة الانتقالية أو العادية، وخير لهم أن يبقوا في ضيافة العواصم التي منحتهم بركاتها ومنابرها الإعلامية ودعمها المالي والدبلوماسي والمخابراتي…

يكفي أن نتوقف بكل محبة واستبشار واعتزاز لدى تلك الفلاحة ومثيلاتها من ريف يبرود، وهي تعجن الطحين الذي توزعه وزارة التموين، عبر مؤسساتها الوطنية، وتقول إن الأغنياء هاجروا بأموالهم.. وهي باقية كالملايين في مدن سوريا وقراها، أرض الأجداد من آلاف السنين. من يشأ أن يعي ويتعلم من حكمة الأمهات وتجاربهن، بأقسى مراراتها، فليفتح عينيه وأذنيه وعقله وضميره.. فأشجار السنديان باقية ثابتة ومتحدية، رغم أعتى العواصف، أما الزبد فيذهب جفاء.