تركيا.. الانتقال بوسائل ديمقراطية نحو الاستبدادية والتحديات المقبلة

mohamad-nader-alomry.jpg777

محمد نادر العمري

حسمت نتائج الاستفتاء الجدل حول طبيعة وشكل النظام السياسي التركي، بعد تمكن حزب “العدالة والتنمية” من تحقيق 51.6% من المؤيدين لهذا التعديل لتحويل النظام البرلماني إلى نظام رئاسي، تلغى من خلاله منصب رئيس الوزراء وتزيد من صلاحيات رئيس الجمهورية ويصعب فصل السلطات الدستورية وتقيد به استقلالية القضاء، وهذا مايضع تركيا أمام مشهد داخلي جديد، لجهة التداعيات المؤثرة على القوى المعارضة الفاعلة وطبيعة شكل التحالفات المحتملة وبالأدق على محددات خريطة التحالفات السياسية للقوى والأحزاب الداخلية وخياراتها السياسية في تحديد الحفاظ أو تغير الهوية التركية.وتتجسد هذه التداعيات في:

أولا”: من المعلوم إن حزب العدالة والتنمية أنشأ تحافا” جديدا” مع حزب الحركة قوميا” لضمان تحقيق فوز مضمون وبنسبة “نعم” عالية ولاسيما إن الكتلة النيابية للحزبين تتجاوز 62% من إجمالي عدد الأعضاء، غير إن المؤشرات والمعطيات تدل بإن هذا التحالف بين الحزبين لم يكن جديا” ولم يرضي قواعد الحزبين التي امتنعت أكثر من 16.5 % من هذه القاعدة في المشاركة بالاستفتاء، الأمر الذي قد يعيد وضع استراتيجية جديدة لكلا الحزبين في البحث عن تحالفات أقوى وقد يتعدى الأمر ذلك في إحداث تغييرات على مستوى القيادي داخل حزب الحركة القومية بعد تصاعد حدة الخلافات بين أجنحته.

ثانيا: كرس الاستفتاء ونتيجة تقارب النتائج جملة تحديات باتت تهدد الوضع الداخلي التركي وهذه التحديات ناجمة عن الانقسامات السياسية التي طالما كانت تترجم بالتأثير على الشارع، لذلك فإن تقارب النتائج وغياب الاحتفالات للمؤيدين أو المظاهرات المنددة ورفض أنقرة واسطنبول للاستفتاء عبر التصويت ب”لاء” واقدام بعض المدن على دعم اردوغان من منطلق ديني وأخرى ترفض أو توافق على اساس عرقي،  يظهر حساسية هذه الانقسامات الحادة بكافة اتجاهاتها واحتمالية تصعيدها في أي توقيت غير مناسب، يؤدي إلى انفجار الأوضاع الداخلية وتخرجها عن مسار السكة التي ترسمه مطامع اردوغان.

ثالثا”: إعادة تموضع الأحزاب المعارضة لنفسها ضمن اصطفافات ائتلافية قد تشهدها صفوفها تاريخيا” ﻷول مرة، بهدف التحضير للانتخابات الرئاسية القادمة من خلال التوافق على اختيار شخصية معارضة منافسة وندية للرئيس اردوغان قادرة على استثمار الحراك الشعبي وتحويله إلى قوة سياسية فاعلة، لذلك قد يسعى الأخير إلى اللجوء لانتخابات مبكرة، الأمر الذي قد يضع مؤسسات الدولة بأكملها في خدمة الانتخابات التي سيقودها اردوغان وإدارتها بما تسهل مهمته في إضعاف خصومه وتقويض مسارهم السياسي.

رابعا”:سياسة الاقصاء للخصوم والتعينات السياسية والقضائية، وضبابية الخلفيات المؤهلة للتعين في الوظائف العامة، فاردوغان توجه قبل الاستفتاء إلى تكريس كل السلطات على نحو مركزة السلطة بيده وقام بالضغط على القضاء لتوقيف مالايقل عن 40 ألف مواطن من النخبة الثقافية والعلمية والسياسية والقانونية والعسكرية بحجة المحافظة على الأمن العام بعد المحاولة الانقلابية في 15 تموز 2016، وإقام اردوغان شبكة علاقات تفاعلية قائمة على استبدال الوطنية بمصلحة المنفعة الزعامية له ولبعض أعضاء حزبه الحاكم مقابل وعود بمناصب حكومية، وخدمة لذلك قام اردوغان بتهميش وزير خارجيته السابق ومنظر سياسته الخارجية أحمد اوغلو أبعد سلفه الرئاسي عن الحزب والسلطة، وقد يقدم على تغيير بنيوي داخل حزبه خلال تسلمه قيادة الحزب في مؤتمر استثنائي، يضمن من خلال ذلك إزاحة خصومه داخل الحزب.

خامسا”: التحدي الذي لايقل خطورة عن كل ماسبق يكمن في السياسة الخارجية لتركيا ومحددات معالمها وتوجهاتها خلال الفترة القادمة، فأردوغان الذي راهن على نتائج الاستفتاء بهدف توجيه رسائل للخارج قبل الداخل بتوقيت سياسي يتميز به النظام الدولي والإقليمي، وليحسم هذه الرسائل بمضمون مقاربة مفادها إنه يتمتع بموقع جيوسياسي تجعل منه الحليف الأكثر ضرورة للجميع، في ظل سخونة الملفات والأزمات الدولية واشتداد الصراع الدولي بين القوى الفاعلة والمؤثرة التقليدية والصاعدة على الساحة الدولية وطبيعة علاقات تركيا مع المحيط الإقليمي.

فأوروبا تقف على خط تماس من سياسة ابتزاز اردوغان الذي وجه رسالة للاتحاد بعد ساعات من ظهور النتائج تمثلت برغبتها بإعادة تفعيل حكم الإعدام عبر استفتاء آخر وهو الأمر الذي يتنافى مع مبادئ العامة الأوروبية، وخطوة من شأنها دعم اليمين المتطرف في الانتخابات التي تشهدها أكثر من دولة أوروبية وفي مقدمتها فرنسا، لذلك سارعت المؤسسات الأوروبية وصناع القرار لتوجيه نصائح للرئيس التركي بضرورة الحوار دون تقديم التهاني بالنتائج وهذا يشير إلى عدم رضا الدول الديمقراطية بنتائج الاستفتاء والنظر إليه بأنه ينهي حكم الديمقراطية مقابل سلطنة الحزب الواحد.

وضمن هذه التحدي يكمن الموقف من الأزمة السورية وطبيعة العلاقة مع القطبين الدوليين ومواجهة الهاجس الكردي….

الواضح إن تركيا شهدت مخاضا” لا يمكن بعد التكهن بنتائج ولادته، ولايمكن التسليم بأثاره السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخليا” في ظل تراجع معدل النمو الاقتصادي نحو 7% وتراجع قيمة الليرة تركيا بمعدل 48% وزيادة معدلات البطالة بنحو 12%، ولكن من الواضح إن النظام السياسي التركي أمام مسارين : أما مراجعة شاملة تعتمد على ترتيب المشهد الداخلي ويقدم نفسه بنموذج جاذب يترجم ذلك في تصحيح تموضع علاقاته الخارجية مع الاتحاد الأوروبي وتجاه ملفات المنطقة، وبوادر تحقيق هذا المسار لاتبدو ممكنة في الأفق القريب استنادا إلى عنجهية التصريحات المتتالية من قبل اردوغان وساسته تجاه خصومهم في الداخل والخارج، أو السير باتجاه تصادمي قائم على الانقسامات وطبيعة التطورات والتوافقات الإقليمية والدولية والتي قد ترخي بظلالها على الداخل التركي.

كاتب وباحث سوري في العلاقات الدولية