وزير خارجية فرنسا: كولن باول الفرنسي.. هل يريد تدمير سورية ايضا؟

Roula-Zein.jpg66

رولا زين

قال وزير خارجية فرنسا أو “كولن باول فرنسا “كما سأسميه ، إن بلاده تملك البراهين الملموسة على ارتكاب “نظام الأسد “لمجزرة خان شيخون وأنه سيكشف عن هذه الأدلة في الأيام القادمة .

بهذا التصريح “السكوب” تكون هذه الحكومة بسياستها الخارجية “الاستعمارية” إزاء سوريا ،قد استماتت لإسقاط النظام السوري وتجزئة سوريا وتفتيتها حتى آخر يوم من عهدها، وقبل يومين من  موعدالإنتخابات الرئاسية  الفرنسية .

دون خجل أو مراجعة  للذات , يجرؤ جان مارك ايرولت على الإشادة بسياسة فرنسا الخارجية ” الكارثية”، التي اتبعها فرانسوا هولاند طيلة خمس سنوات، ويضيف إن التاريخ سينصف رئيسه وحصيلة السياسة الإجمالية التي اعتمدها , واعترف مقهورا وفي نفسه حسرة  ،عندما سئل في المقابلة التي أدلى بها للقناة البرلمانية ،عن أسوأ أمر واجهه في حياته كوزير للخارجية ، ” إنه اليوم الذي لم نتمكن فيه من قصف” النظام” في دمشق”، حين تراجع اوباما عن قراره ،”لأن ذلك لو حصل لكان قد غير مجرى التاريخ ” !؟

طبعا لم يحاول الصحافيون سؤاله  كيف كان لفرنسا  أن تغير مجرى التاريخ في سوريا  بتدميرها البنى التحتية للدولة السورية ، من مدرجات ومطارات  وجسور ، وهل غيرت مجرى التاريخ في ليبيا  وصدرت مبادئ الثورة الفرنسية وإعلان حقوق الإنسان إلى الليبيين ؟  وهل ينعم هؤلاء  براحة البال والأمن والإستقرار كأهالي باريس أو مارسيليا أو مدينة نانت مسقط رأسه ؟

 التصريح الأخير  لجان مارك ايرولت  المنتهية ،ولايته بعد أيام، وحياته السياسية إلى الأبد ،ليس استخفاف بعقول الفرنسيين فحسب ، بل إهانة لفرنسا ذاتها لأنه يعترف بتبعية باريس جهرا” وعلانية  للولايات المتحدة الأمريكية وسياسة البنتاغون، وهو الذي أعلن في نهاية مارس الفائت بأن رحيل الرئيس بشار الأسد “ليس أولوية “، مرددا” تصريحا” مماثلا للبيت الأبيض ، ما دفع السفير الفرنسي الأسبق ميشال رامبو ،صاحب كتاب عاصفة على الشرق الأوسط الكبير، إلى التعليق ” عندما تتحدث واشنطن بوضوح لا خيار للأوروبيين سوى الإنصياع للأوامر “.

سيكتب التاريخ عن تلك الحقبة من حياة فرنسا وسياستها الخارجية ،بأنها تعاونت ومولت الإرهابيين في سوريا، لقتل السوريين  وتشتيتهم ، وأنها  كانت رأس الحربة في سفك دماء شعب أعزل لم يهددها  أو يهاجمها ، وأنها سعت إلى فصل حلب عن سوريا لإهدائها إلى تركيا أردوغان، عندما كان صديقها قبل أن يتحول إلى دكتاتور عثماني إخونجي، وأنها  سارعت في تقديم القرار تلو القرار  في مجلس الأمن إثر هجمات كيميائية  مفبركة ومنتقاة ضد الأطفال الأبرياء ، لوقف تقدم الجيش السوري وحقه في استعادة أراضيه سواء في باباعمرو في   حمص أو في حلب.. وبعد أن دعت إلى مناطق آمنة لتقسيم سوريا بحجة الدفاع عن السوريين ، فشلت في تحقيق أطماعها ، وأنها استخدمت صحافيين من خارج جريدة لوموند  كخبراء لتقديم “أدلة دامغة”  للرأي العام عن استخدام  النظام السوري للسلاح الكيميائي في الغوطة ضد شعبه  في أغسطس 2013وهو  ما لم تؤكده التقارير الغربية ودحضته دراسة معمقة لطبيب أعصاب أمريكي بعنوان murder in the sunmorgue،  ومركز ماساشوسيتس التكنولوجي MIT ،وأن سفبرها في الأمم المتحدة صرح منذ ايام أن منطقة الشرق الأوسط لن تنعم بالأمان طالما أن  بشار الأسد يحكم سوريا في رد كيدي وحاقد على ثامن فيتو روسي ضد قرار فرنسي لإسقاط  الشرعية في دمشق .

  لم تصدر باريس  تصريحا واحدا تشجب فيه القصف والتدمير الذي حل في حلب وعلى أهلها وكنائسها في الأحياء الشرقية  طيلة عامين، في حرب ممولة سعوديا وقطريا ،  وتذكرت فجأة  آلام حلب وأهالي حلب  عندما ارتفع العلم السوري على قلعتها فسارعت بلدية باريس إلى إطفاء  أنوار برج ايفيل حزنا” وحسرة على تقهقر الإرهابيين  الذين خسروا حلب .,هؤلاء  ذاتهم من تشن عليهم أجهزتها  حربا”  لا هوادة فيها على  كافة الأراضي الفرنسية ،  فيما تعتبرهم  ثوارا   في سوريا .

 أربعون يوما وسكان دمشق دون مياه شرب لأن “الإرهاب المعتدل” قرر معاقبة الدمشقيين  والإنتقام منهم “لسقوط حلب ” ولم يصدر لا بيان  شجب ولا تصريح يستنكر جريمة الحرب ضد المدنيين الآمنين ، ناهيك عن كم القذائف والصواريخ على المدارس والجامعات والأسواق التاريخية ودور العبادة .، الذي لم تنقله عدسة مصور أو يذكره تقرير إخباري.

 جان مارك ايرولت لخص  رؤيته للحل  في سوريا بقوله ” علينا أن نبقي طائرات الأسد قابعة  على الأرض وأن يتم انتقال  فعلي للسلطة , وصيته لخلفه في الوزارة  ” الاستمرار في السياسة الخارجية التي اتبعها  هو ورئيسه هولاند ” :   تخيلوا استمرارية لسياسة كان عنوانها  ”  جبهة النصرة تقوم بعمل جيد !” التصريح الشهير لسلفه لوران فابيوس والذي سيضاف إلى قاموس  ”  المناهج التعليمية في المدارس السورية الوطنية ،التي لقنتنا بأن الجنرال هنري غورو الذي عين مفوضا” ساميا” في سوريا ولبنان عام 1920 أيام الإنتداب ،دخل إلى الجامع الأموي في دمشق   ووضع قدمه على قبر صلاح الدين الأيوبي قائلا”استيقظ يا  صلاح الدين  ها قد عدنا ؟ في إشارة منه للحروب الصليبية .

 فرنسا مزقت الخريطة السورية   ثلاث مرات في التاريخ الحديث .وما أن سنحت  لها الفرصة  مجددا” للأذى ،  حتى  انقضت على ما تبقى من سوريا التاريخية في محاولة  جديدة  لتجسيد حلم لم يتحقق ، ولتمزيقها  وتفتيتها إلى دويلات طائفية تتناحر فيما بينها , وانفرد فرانسوا هولاند من بين رؤساء العالم أجمع  بمطالبة الرئيس الأمريكي دونالد  ترامب، بمزيد من القصف والضربات على سوريا ،  فيما صفق رئيس حكومته برنار كازنوف للعمل “البطولي الأمريكي” الذي لم يقدم عليه  باراك أوباما، وصرح بأن ما فعله الرئيس ترامب” يثبت للعالم “أننا كنا على حق في سياستنا المتبعة منذ البداية في هذا الملف” .

مهزلة أخرى في سوء التقدير والتقييم ، تضاف إلى  سجل هيستيريا التصريحات الفرنسية  حول سوريا ، وحتما أصيب هولاند بخيبة أمل كبيرة عندما علم بأن الطائرات السورية أقلعت في اليوم التالي من مدرج الشعيرات لتقصف الإرهابيين مجددا”   في محيط  تدمر .

فرنسا لم تحارب الإرهابيين في سوريا بل ساعدتهم ومولتهم بالأسلحة والعتاد ،

أول قصف قامت به على الأراضي السورية ضد الدولة الإسلامية، استهدف   مدرسة “أشبال داعش “، راح ضحيته أطفال في سن المراهقة اقتيدوا قصرا” من بيوتهم وأمام أهلهم في ريف دير الزور  ليدربوا على القتل والذبح ,  وعندما سئل وزير الدفاع الفرنسي جان لوك لودريان  عن الأهداف التي تم تدميرها أجاب ” مواقع سرية لا يمكن  الكشف عنها !   “

وللإنصاف ،لم يقتصر هذا الأداء الإستعماري على الشعب السوري على اليسار الفرنسي بل بدأ في عهد نيكولا ساركوزي ووزير خارجيته ألان جوبي ,

الخاسران في الانتخابات التمهيدية لليمين الفرنسي ،أمام فرانسوا فيون المرشح اليميني الأبرز لرئاسة الجمهورية .فقد بادرت باريس بإغلاق السفارة الفرنسية في دمشق في سابقة تاريخية لم تقدم عليها في أوج تأزم العلاقات بين البلدين  أثناء الحرب  الأهلية اللبنانية  ، وسارعت إلى فرض حزم العقوبات الإقتصادية على الشعب السوري الحزمة تلو الأخرى ،من قبل الإتحاد الأوروبي بهدف خنق البلاد وتركيع الشعب ، وشل الإقتصاد ،وطال الحصار المعدات الطبية والأدوية بعد أن كانت سوريا مصدرة للدواء لدول الجوار  ،  والمواد الغذائية الأولية  والوقود  وساهمت السياسة الامبريالية المجرمة بحق شعب لم يقترف أي ذنب تجاه فرنسا ، أو يحلم يوما بمغادرة وطنه وشمسه   للهجرة إليها ، بمغادرة آلاف السوريين لوطنهم  بحثا” عن لقمة العيش وهربا” من الحصار الإقتصادي وجحيم الحرب  . وأطلقت  باريس مؤتمر “أصدقاء سوريا ” لحشد الدول وتجييش العالم  بهدف تفكيك البلد وهدم اسس التعايش الفريدة  بين السوريين لتغيير الرئيس بالقوة  , لم تذرف باريس أي دموع على أطفال سوريا الذين يموتون جوعا”  من جراءالحصار الإقتصادي أو النقص” في المواد الغذائية الأولية للحياة اليومية ، بل هاجمت النواب، ممثلي الشعب الفرنسي الذين زاروا دمشق وتحققوا مما يجري على الأرض ، وسخر إعلامها من اجتماعهم” بالجزار قاتل شعبه ” ، وإمعانا” في سياسة قصر النظر والإنحياز الأعمى  لسياسة الصقور الأطلسيين ،   تعاملت باريس مع معارضين “سوريين ” انتقتهم عملاء بامتياز ، منهم من شاهد سوريا على الخريطة  ومنهم الحاقد عليها  تاريخيا”على مجيء حزب  البعث  أو سياسات التأميم  ،استبعدت أفراد المعارضة الوطنية الذين حذروا من عسكرة الصراع منذ البداية ، ورفضوا التدخل الخارجي  فهمشت هؤلاء ومنعتهم من الحديث على موجات الإذاعة ومن الظهور في شاشات التلفزة أو الكتابة أو عقد أي مؤتمر أو نشاط  بحجة  الحفاظ على الأمن والسلم الأهليين  ,ومضت باريس  في سياسة كم الأفواه والتعتيم الإعلامي على الرأي  الآخر حول ما يجري في سوريا  بشكل ممنهج ومدروس ،  في الصحافة المكتوبة ومراكز الأبحاث وضد باحثين فرنسيين ،تلقوا تهديدات بفقدان وظيفتهم كباحثين مطلعين على قضايا الشرق الأوسط، مما اضطر بعضهم إلى مغادرة فرنسا للتمكن من  العمل وفق قناعاته .استمات هؤلاء الذين عملوا كمستشارين لهذه السياسة العمياء  في الكذب والنفاق ، لم ينتهزوا أي مناسبة للإستدارة أو تصحيح  المسار عملا” بالواقعية السياسية  ، بل  شنوا الحملات القضائية ضد قناة تلفزيونية رسمية لأنها تجرأت وخرجت عن المسار ، وبثت ريبورتاجا” عن الوجه الآخر للحرب في سوريا ، بذلوا المساعي  إلى إلغاء أي مؤتمر ينظمه متعاطفون مع الشعب السوري كي لا يسمع  صوت غير صوتهم الشريك في سفك الدم السوري ، هتفوا بالنصر بعد كل معركة وهللوا  مبتهجين بقصف ترامب لمطار الشعيرات مطالبين بالمزيد ، لتدمير سوريا وقتل أبنائها  هل حقا” هم سوريون ؟؟.

و طالت حملة القمع وتكميم الأفواه  النواب الفرنسيين ممثلي الشعب ، الذين زاروا سوريا وعاينوا الحقيقة على أرض الواقع .منذ أيام اضطر ثلاثة نواب زاروا دمشق مؤخرا”  إلى تغيير مكان انعقاد مؤتمر حول سوريا ،من قاعة في البرلمان الفرنسي إلى المركز الثقافي  الروسي الذي افتتح مؤخرا في باريس ، ليتسنى لهم الحديث بحرية عن المأساة السورية . برر النائب اليميني  تييري مارياني في مستهل حديثه ، تغيير المكان ، أنه تفاديا” لحظر رسمي من قبل السلطات الفرنسية ، خاصة وأنه تزامن مع مجزرة خان شيخون  التي ألصقت دون دليل ، كسابقاتها “بالنظام السوري “,استبق الأمور واتخذ القرار  الصائب بانتظار أجواء  أفضل .

وكما تساءل  مسؤول سابق في المخابرات الفرنسية  يدعى “ألان شوي” ، هل يوجد في العالم من يعير اهتماما لتصريحات وزير خارجية منتهية ولايته ؟ منتقدا” العنجهية والجهل اللذين باتا المحور  الأبرزلسياسة وزارة الخارجية الفرنسية ، أما نحن فننتظر نتائج الإنتخابات الرئاسية التي يدعو ثلاثة من أبرز المرشحين فيها، إلى استقلالية القرار الفرنسي وتغيير السياسة الخارجية إزاء سوريا .

 

كاتبة سورية تقيم في فرنسا