زهير عزاوي: فوضى السرد في تلك الرائحة لصنع الله إبراهيم

 zouhair azawi

زهير عزاوي

          تلك الرائحة هي أول عمل روائي للكاتب المصري صنع الله إبراهيم إبان خروجه من السجن عام 1966. فالقهر الجسدي و المعنوي و نزوة الشباب كانت الشرارة الأولى التي فجرت هذا العمل الإبداعي. يقول في تقديم روايته في طبعتها الثالثة : «كنت- عندما كتبت تلك الرائحة- خارجا لثوي من السجن […] و كنت أقضي بقية اليوم في التعرف على عالم ابتعدت عنه أكثر من خمس سنوات. وما أن آوي إلى حجرتي, حتى أجد نفسي مدفوعا لأن أسجل بلمسات سريعة ما مر بي من أحداث و مشاهدات «. هكذا عبر صنع الله ابراهيم عن نفسه كما هو بلمسات سريعة جعلت هذا العمل الفني عرضة للفوضى و التصدع السردي.

         تقوم الرواية على تناوب بين خطين سرديين؛ هما يوميات السارد اثر خروجه من السجن, و حواره الداخلي أو مونولوجه الذي يخضع لعملية الاسترجاع حيث يعود إلى الوراء ليقدم فيه بعض التفاصيل عن سجنه و عن علاقاته بالشخصيات المحيطة به, و أحيانا  ليكشف لنا عن خبايا نفسه. بفضل هذا التنويع السردي عمل الروائي على خلخلة التصنيفات القديمة ذات الطابع البلزكي حيث تسلسل الأحداث و تلاحمها إلى نهايتها وفق خطة سردية واضحة.

        في تلك الرائحة تفتح الأحداث منذ البداية على مصير مجهول للسارد. يقول: « قال الضابط: إلى أين إذن ستذهب أو أين تقيم؟ قلت: لا أعرف. ليس لي أحد»1. نلاحظ في الإجابة نوع من الاستباق (Prolepses) حيث يبدو السارد و هو يغادر السجن منعزلا و غريبا عن هذا المحيط الجديد. فهو في توحده لا يعرف سبيلا لمأواه. فعلا, تبرز لنا هذه المقدمة أن حالة الخروج من السجن الضيق هي في نفس الوقت دخول إلى سجن واسع. إنها الدخول إلى عالم فضاءه فسيح لكنه شبيه بسجن حقيقي. مراقبته تتم بشكل منظم من الصباح إلى المساء. يقول: « كان العسكري هو الطارق. وقلت له: دقيقة واحدة.  فأسرعت إلى الحجرة فجئت بالدفتر وأعطيته له. فكتب اسما أمام اليوم و انصرف»2. إن هذا الموعد البوليسي المنظم أثر سلبا على الحالة النفسية للسارد. أي نحن أمام سرد منظم وآخر فوضوي. و رغم هذه المراقبة الشبه اللصيقة عمد السارد إلى خرق هذا النظام مع كثير من الاحتياط, و ذلك للقاء الشخصيات الأخرى خارج البيت. إن فعل الخروج من البيت هو تحد للحظر المفروض عليه, و هو أيضا بمثابة الضرورة لاستمرار فعل السرد. أو بصيغة أخرى يصح القول إن انسياب السرد يستمر كضرورة أو كفعل بالغ الشدة للتغلب على كل ما يهدد فعل الخروج. هكذا ينتقل السارد من مكان إلى أخر خلسة بغية مشاهدة و تصوير الواقع و البحث عن ذاته. أثناء هذه اللحظات المسروقة استطاع السارد ان يرصد لنا بوضوح ما وصل إليه الشعب المصري من أنانية و ذاتية بدل ما كان سائدا من قبل من تضحية و شمولية و تلاحم بين عدد مهم من أفراد المجتمع, حيث أصبح الانتصار للذات و المصلحة الخاصة أمر فوق كل اعتبار. فكان للحضور البوليسي المستمر دور فعال في تعطيل التفكير لدى فئات المجتمع. لكن خروجه من البيت هذا كان يخضع دائما لمنطق القلق والتوتر و ذلك لضيق الحيز الزمني الذي لا يكفيه للتنقل بين الأمكنة بكل حرية. يقول: « كانت أمها ترتدي ملابسها فانتظرتها. ثم وقعت عيني على ساعة الحائط فقفزت واقفا[…] لم يكن هناك وقت على موعد مجيء العسكري»3. و بذهاب العسكري يتواصل السرد. هكذا نشير إلى أن محكي السارد يخضع للاخطية و لمنطق الفوضى. لان يومياته سجلت بلمسات سريعة تتخللها ذكريات متنوعة يكشف فيها السارد من خلال تقنية الاسترجاع (analepses) و التذكر عن التحولات و التناقضات التي تعرفها شخصيات الرواية. و حالة التذكر هاته هي انفصال عن الحاضر حيث تتأسس من محكي مستقل عن بعضه البعض. و هي فرصة كذلك للمقارنة بين زمن الماضي و زمن الحاضر, و الكشف عن المفارقات التاريخية.

 نلاحظ أحيانا تصدع السرد و تنوعه ما بين السريع و البطيء. و قد يغلب البطيء خاصة في الكشف عن الجوانب الخفية للشخصية. حيث يركز اهتمامه على الوجه و خاصة العينين. «لمحت دموعا في عينيها»48, «وعينيه الصغيرتين اللتين أوشكتا أن تختفيا» من طريق هذه التقنية يستطيع سبر أغوار النفس البشرية المحبطة, فللعيون لغتها التي يحسن التواصل بها. فعلا, تكشف لنا هذه الأوصاف المختلفة للعيون عن شخصيات تتصارع مع الحياة في صمت. و حالة الترقب هذه للسارد الذي كان يأمل أن يرى فيها نوعا من المقاومة و التطلع إلى مستقبل مشرق خانته نظراتها و بعثت في نفسه مزيدا من الاغتراب, الضعف و العزلة. يقول: «أنت قوي بالناس, أما بمفردك فأنت ضعيف»4.

         صراحة لقد عبر السارد بصدق جارح عن كل حالات القهر و التسلط و العقاب والمراقبة للأشخاص -حتى إفراغهم قهرا من إسهاماتهم في قضايا عيشهم- و الانحلال الخلقي بلغة تقريرية و واقعية و بأسلوب سردي مضطرب لا يتوقف و لا يعنى بانتقاء المترادفات أو ملاطفة القبح.

        ينتهي السرد بانتهاء جولة السارد الشاقة و المحظورة باحثا بين أقاربه و أصدقائه و صديقاته عن بصيص من الأمل ليعيد إليه نفس التوهج الذي ميز مرحلة الشباب, لكنه صدم بواقع تغيرت فيه المرجعيات و تحول من الوعي الجماعي إلى الوعي الفردي و غلب عليه طابع المهانة و الذل و الموت البطيء. حيث  انعكس هذا الجري الفوضوي سلبا على نفسية السارد, فكان كلما تأجج غضبا تأججت لغته و أصبح السرد أكثر قبحا و عامية و فوضوية. كما اختفت أيضا الحبكة أو أوشكت على الاختفاء. فيصعب العثور على خيط سردي دقيق يربط بين الأحداث,  حيث يهيمن في كثير من الأحيان التشظي, التكرار و الاسترجاع.

كاتب مغربي مقيم بباريس.

المرجع:

1- صنع الله إبراهيم, تلك الرائحة, دار الهدى للنشر,1986, ص, 48,47,37,32,29