محمود كامل الكومى: 21 أبريل ذكرى وفاة المبدع “صلاح جاهين” ال31 “رباعيات الموت والميلاد”

mahmoud-qomy.jpg555

محمود كامل الكومى

البذره مُره يا خال ……. طرحت لنا غيط مرار

حرام .ده. ولا حلال….. نجنى المرار ع الديار

كان المبدع صلاح جاهين الحالم بالثورة وبستان الاشتراكية , وبالصورة المضيئه للشعب العرقان تحت الراية المنصوره , وقد وضحت نصب عينيه حقيقة المؤامره التى اخرجها أنور السادات في 15 مايو (آيار)1971 , فحولت مؤشر بُصلته من غد – قادم من حياه نبتها بذره بطبيعتها مُره تستقبلها الايادى البيضاء لترويها بعرق العمال والفلاحين ودماء الجنود والشهداء تزيل عنها مالحق بها من مرار , وتنميها لتطرح عطر يبوح على مدار الايام في بستان الوطن حتى يصير حديقة غناء-الى عكس الاتجاه , فاِذا الصوره تغيم والواقع المزدهر يتحول الى أعاصير ورياح وصفير , وتنقلب رأسا على عقب ويصير نبت البذره مرير , جدير بأن يجعل الوطن كله مرار بديلا عن التنمية واستقلال القرار والازدهار , وبدى أنه وقد اختلط الحابل بالنابل وصار لايُعرف الحلال من الحرام , حتى صار المرار اسيرا للفرد يلاحقه ويذهب معه اينما حَلَ او راح يتابعه حتى الى داخل الدار.

هو ليس بعراف ولا ضارب للودع ولا يعرف للفنجان عنوان , لكنه بريشة الفنان , رسم الحياة ما بعد عبد الناصر , وقد يقال ما قبلها بأيام حين أتضحت صورة الشيطان في كل قصور الرجعيه العربية وملوك الاسره الهاشمية والسعودية وعلى شواطىء الاطلنطى المغربية , تطعن نيابه عن الصهيونيه قلب الثوره العربية الناصرية , حتى صار عبد الناصر شهيدا في رحاب الله من اجل وقف نزيف الدم الفلسطيني على يد حسين ملك الاردن ,وكان السادات العميل النائم للأمبرياليه وقد تولى حكم مصر الثورية قلب الامه العربية فوضع كل الاوراق في يد حاضنة الصهيونية واسرائيل الولايات المتحدة الامريكية.

برواز في جريده الاهرام بطول وعرض 10سم يطل علينا كل يوم من جريدة الاهرام القاهرية فيه صوره كاريكاتوريه , اسفلها كلمات لاتتعدى اصابع الكف الواحد , كتعبير عن نفس تواقة الى التحليق في عالم لامحدود من الحرية وانتصار الشعوب على الاستعمار والامبريالية , وحين ذبلت اوراقه وانكفأت النفس على ذاتها وتقوقعت داخل اطارها المحدود مع بدايه عصر أمريكا المجنون , صارت الالوان قاتمه وبدى السواد يتشح من بالتت الوانه , وغدت كلماته علقم تخرج من فاهه لتحط على اوراق خريفه التى بدت تتساقط بعد الذبول , وما بين التحليق في عالم الفضاء اللامحدود وعالم الذبول , او ما بين نبت البذره (الحياه) الى جنى المرار ع الديار حتى تحين لحظه (الموت ) , فأن برواز صلاح جاهين وما يحويه من ابداع كاريكاتورى معلق عليه ببضع من ترياق لسانه العامى , كان يضاهى عدة صفحات للكاتب الكبير محمد حسنين هيكل في جريدة الاهرام والتى صارت عالمية , برئاسته لها , بل انه تفوق عليها لوصول كلمات جاهين العامية وابداعه الكاريكاتورى الى العامة والخاصة على السواء .

 كانت وفاة الرئيس عبد الناصر هي السبب الرئيسي لحالة الحزن والاكتئاب التي أصابته,فكان الموت سريرى , بعد حياه جسدتها بذرة صارت يناعة , لكن سرعان ما طغى مراراها وبدت تجود بغيطان المرار التى غطت كل دار بعدم الوعى والادارك مابين الحلال والحرام , وهنا أدرك صلاح جاهين الموت الى عالم الخلود والبقاء.

وصار المرار يتفاقم ويشق طريقه الى الديار ,من مصر بدت الذئاب تشق طريقا مابين الغيطان التى خضرتها مياه السد العالى , والصحارى التى أخضرت من مخزون المياه , والمصانع التى دارت عجلتها بسواعد العمال وكهرباء السد في اسوان , فنهشت كل شىء في طريقها , وصارت الارض بورا وأقاموا عليها مشاريع الاسكان الفاخرة التى تدر الأموال لجيوبهم المنتفخة بالحرام , ونُهبت المصانع حتى عشعش العنكبوت على الورش والماكينات فبعوها بأبخس الأثمان , ومازالت الغيطان تطرح مرار , ومازال شعبنا المصرى يجنى المرار ع الديار , وأفرز المرار سلوكيات دخيله ومريبه تأخذ خطا تصاعديا ممنهجا من اجل اهدار القيم والمثل والكفر بالتجربه الناصرية , وكل مايرمى الى القومية ووحده أمتنا العربية , وصار الاستسلام سلاما , والخضوع والخنوع ,أمنا ,وبدى ان كل شىء يدخل في كل شىء , حتى صرنا نحن الاسرى , ونحن السجان .وأنحسرت كلمات المبدع صلاح جاهين  عن التفعيل .

والى ديار أمتنا العربية عرف المرار طريقه الى ديارها ايضا , كانت صورة الوحدة في مخيال المبدع صلاح جاهين تتبلور وتتجسد من خلال الرؤى الناصرية في أن “الوحده مش حكام ورجعية الوحدة شعب “وعلى صدى كلماته تغنت جماهير أمتنا العربية بكل أمجادها ونضالها وآمالها في الوحدة العربية , وصار الايمان بكل المبادىء والقيم التى تُرشِد السلوك الانسانى لينحو نحو غايته في الحرية والاشتراكية والوحدة و قد تصاعدت الى عنان السماء , وبدى الشعب هو القائد وهو المعلم وهو الخالد ابداً, وتناغم الشعب العربى في مصر وسوريا ولبنان واليمن وليبيا والجزائر والعراق والسودان , هدير واحد يسبح في بحر محيطه من الخليج العربى الى الاطلنطى , تغوص في اعماقه القومية ضاربا بالاقليمية والذاتية عرض الحائط , وبدى التيار القومى الشعبى العربى يزحف نحو فلسطين بأعتبارانه لابديل عن تحريرها من اجل وحده امتنا العربية , وارتعدت فرائض الرجعيه العربية عملاء الاستعمار والصهيونيه وأعداء الوحده العربية , وبدت القصور الخليجيه مستقرا لجواسيس الاستعمار , وغزت القواعد الامريكيه بلدان الخليج واستقرت على ارضها تحمى عروش حكامها وتجهض أراده الشعوب التواقه للحرية ولوحدة أمتنا العربية , وبدت الصورة الوردية للبذرة اليانعة , التى جسدتها كلمات صلاح جاهين ورسوماته الكاريكاتورية تشيخ وتشيح عن نفسها رداء التطلع والمستقبل الباهر , وترتدى رداء اً يعبر عن الذل والانكسار , وبدى البترو دولار هو القيمة ومن اجله تباع النفوس والاوطان , واذا كان الوطن قد هان فما بالنا بالفكر القومى والوحده العربية وما يسبقها من مقاومة الصهيونية والامبريالية والاستعمار ,فَكَفروا به الشعوب , وزرعوا فيها الحقد والغل والدونية وكرسوا في مفاهيمها القطرية , بل داخل القطر الواحد ايقظوا نار الفتنه الطائقية والمذهبية , وصارت السلوكيات تتدنى , حتى بدى للفرد كيف ينجو بذاته من عالم ملىء بالذئاب البشريه , ولو على حساب قتل الروح الانسانيه , فصار المرار ع الديار الى طريقه الآن .

صار المرار في ديار أمتنا العربية علقم , وغدى ان القيمة في التمسك بأخف الأضرار , حتى اندثرت هذه القيمة ,و صارت النفس الشيطانية هى الغواية ومرافقه الشيطان هى من اجل البقاء!! وسط هذا الجو لم تكن من ثوره على الاستبداد والظلم يمكن ان يكتب لها النجاح فتم شيطنتها بأدعاء الاسلام , ودمرت جماعه الاخوان القيم والاخلاق ومن تبعها من داعش والنصره ووهابية آل سعود , وكلها برعاية حكام الخليج , فدمرت سوريا وليبيا وقبل الكل العراق ,واليمن على حافه الانهيار ومصر تعانى من نار الارهاب,وبعد أن جسد صلاح جاهين للصراع الوجودى مع أسرائيل من اجل فلسطين والوحدة العربية , تواترت مؤامرات التأمر الأستسلامية على فلسطين وشعبها .

كانت البذرة في مراحلها الاولى تحوطها ” خضره وميه وشمس عفية وقبة سما زرقا مصفية ” وكانت بالتت الالوان عند صلاح جاهين لاتحوى من الوان سوى الابيض والاخضر والازرق الفاتح والذهبى ,كانت الحياة , لكن حينما صارت البذرة تطرح لنا غيط مرار , صار موت الفنان المبدع سريريا ففاضت بالتت ألوانه باللون الأسود  …. وبدى يتسأل ؟خرج أبن آدم من العدم قلت: ياه – رجع ابن آدم للعدم قلت :ياه , تراب بيحيا … وحى بيصير تراب , الأصل هو الموت ولا الحياه ؟ وعجبى.

فتحولت بالتت ألوانه الى لون التراب , قبل برهة من مغادرته اِلى مثواه الأخير حيث الأصل التراب , لكن يبقى السؤال , الأصل هو الموت ولا الحياة ؟ وعجبى …..

كاتب ومحامى – مصرى