“ابو جهاد” ونساء الزيت المغلي

maan-bashour-2.jpg44

معن بشور

 1- تكامل انتفاضتين

           اليوم يبدا اسرى الحرية “اضراب الكرامة والحرية” كانتفاضة تتكامل مع انتفاضة القدس ليصنعان لفلسطين فجرا جديدا يسقط الانقسام و يدحر الاحتلال ويحرر القدس ويزيل المغتصبات ويرفع عن غزة الحصار..

ليقف شرفاء الامة واحرار العالم مع اسرى الحرية لتصبح كلفة اسرهم عند المحتل تفوق كلفة الافراج عنهم…

كل الشرور التي تحيط بنا مصدرها واحد وهو المشروع الصهيو استعماري القائم على تفتييت مجتمعاتنا وتدمير اوطاننا وسلب مواردنا .

فلتتوحد الجهود ولتتشابك الايدي على طريق مقاومته وازالة اثاره…

الف تحية للاسير الفلسطيني والعربي في يومه وفي اضرابه…والف تحية للشهيد الفلسطيني اوللشهيد على طريق فلسطين

والف تحية للشهيدين الكبيرين خليل الوزير وعبد العزيز الرنتيسي في ذكرى استشهادهما رمزين لوحدة فلسطينية تعزز الانتفاضة والمقاومة وتتعزز بهما.

2- أبو جهاد والزيت المغلي

في مدينة طرابلس، مدينة العلماء والأولياء والشهداء، جمعتنا مع القائد الفلسطيني الكبير الشهيد أبو جهاد أيام صعبة يوم شهدت المدينة ومخيماتها حرباً قاسية بين أخوة السلاح، وأبناء القضية الواحدة في صيف وخريف عام 1983 (تنذكر وما تنعاد)…

يومها كانت الأنظار مشدودة الى جنوب لبنان والبقاع الغربي وساحل الشوف، حيث كانت المقاومة الباسلة بكل مستوياتها، تؤكد أن الاحتلال الى زوال.

كانت حكاية “الزيت المغلي” التي كانت ترمي به نساء الجنوب جنود الاحتلال حكاية الناس في كل مكان…

طلب منى أبو جهاد (رحمه الله) أن أجمعه بشباب جنوبيين، من إخوتنا، ليضعوه في صورة حية عما يجري على أرض جبل عامل في إطار استطلاع كان يقوم به آنذاك القائد الفذ مع العديد من المناضلات والمناضلين الجنوبيين لدراسة الحالة المقاومة في الجنوب، والتي لم يكن الأخوة في فتح والثورة الفلسطينية بعيدين عنها رغم الظروف القاسية التي كانوا يعيشونها بعد الغزو الصهيوني للبنان عام 1982.

اتصلت يومها برفيق العمر المناضل المحامي خليل بركات والذي كان أمين سر مؤتمر رؤساء البلديات والمخاتير في الجنوب، ومشرفاً على قوات جبل عامل في جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية.

بعد أيام جاء الى طرابلس، عن طريق البقاع، الأخ بركات ومعه الأخ الراحل حسين حمود (حيدر العاملي) الناطق باسم قوات جبل عامل، والأخ الشهيد السيد محمد مرتضى أحد القادة الميدانيين في المقاومة.

جلسنا مع أبي جهاد الذي كان يحمل ورقة وقلماً ويسأل عن التفاصيل كبيرها وصغيرها في حراك الجنوبيين المقاوم لاسيّما في الجانب المدني والشعبي منه… كان يسأل عن الزيت المغلي، عن الاعتصامات في القرى، عن المازوت الذي كان تتزحلق فوقه سيارات جنود الاحتلال، عن البطيخ المحشو بالمتفجرات، عن الأطفال الذين يراشقون العدو بالحجارة…

ومرت السنون حتى انفجرت انتفاضة الحجارة بعد أربع سنوات (كانون اول/ديسمبر 1987) وتبين أن أبا جهاد الوزير هو مهندسها الذي حرص الموساد الصهيوني على اغتياله في مثل هذا اليوم (16 نيسان/ابريل 1988) بسبب الإرباك الذي سببته الانتفاضة للاحتلال…

في شهر آذار/مارس 1988، وقبل أسابيع من استشهاده، وفي منزله في أبو سعيد إحدى ضواحي العاصمة التونسية المطلة على البحر المتوسط، وخلال دعوته لي إلى الغداء قال أبو جهاد (رحمه الله): اتذكر تللك الجلسة في طرابلس مع رفاقك الجنوبيين، لقد استلهمنا من تجربة الجنوب أفكاراً كثيرة للانتفاضة المستمرة اليوم…

قلت له: والجنوبيون أيضاً تعلموا الكثير من مدرسة الثورة الفلسطينية، نحن أبناء أمّة واحدة تتكامل مقاومة أبنائها. وكلما كان التكامل أوثق كان النصر أقرب… وكلما كان التباعد كانت الهزائم والنكسات…

وقبل أن أغادر مودعا قلت لأبي جهاد القائد الرمز: ولكنني أخشى عليك في هذا المنزل المفتوح على البحر، ضحك القائد المؤمن وقال: وهل حمت إقامة أبو يوسف والكمالين في قلب بيروت من الاغتيال (10/4/1973).

رحمه الله… ورحم كل الشهداء…

 3- قانا… 18 نيسان 1996

جريمتان

في مثل هذا اليوم، وقبل 21 عاماً، ارتكب الصهاينة مجزرتهم الأولى في خيمة لقوات الأمم المتحدة في بلدة قانا الجنوبية، لجأ إليها أطفال ونساء، هرباً من القصف الصهيوني الجوي والبحري والبري، في إطار عملية “عناقيد الغضب” عام 1996، والتي انتهت، بعد فشلها بتحقيق أهدافها، إلى “تفاهم نيسان” الذي شرعن للمرة الأولى وجود المقاومة في جنوب لبنان.

لم تكن جريمة الحرب، والجريمة ضد الإنسانية ،التي أودت بحياة 106 من المدنيين الأبرياء الذين صدقوا أن مقرات الأمم المتحدة تحميهم، هي الجريمة الوحيدةالتي تمّ ارتكابها بحق الإنسانية والقانون الدولي فحسب، بل تلتها بعد أسابيع جريمة أشدّ خطورة، لأنها جريمة ما زالت ممتدّة حتى يومنا هذا، وهي جريمة تعطيل قرار بإدانة الكيان الصهيوني في مجلس الأمن ب “الفيتو الأمريكي” والطلب إلى الأمين العام للمنظمة الدولية الدكتور بطرس غالي أن يسحب التقرير الذي أعدّته الأمم المتحدة، والذي يعتبر المجزرة عدواناً إسرائيلياً متعمداً، ولما رفض غالي الطلب الأمريكي سارعت واشنطن وتل أبيب إلى رفض التجديد له في ولاية ثانية، فيما كان الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون يبرر الجريمة الصهيونية بقوله “أنها خطأ يقع عادة في الحروب، ومن حق “إسرائيل” أن تدافع عن نفسها”.

نستحضر تلك المجزرة، التي تلتها مجزرة ثانية في “قانا” خلال حرب تموز 2006، لا لاستعادة مجزرة في زمن تتكاثر فيه من حولنا المجازر فحسب، بل نتذكر أن ما يسمى “المجتمع الدولي” ،الذي تقوده واشنطن ،يستكمل الجرائم الوحشية التي ترتكب بحق أبناء الإنسانية، بجرائم الصمت أو الفيتو لتعطيل ادانة مرتكبيها..

ويكتسب تذكر تلك الجريمة، كما العديد من المجازر المماثلة التي شهدتها أمّتنا منذ بداية الصراع مع المشروع الصهيو – استعماري، ولآخرها مجزرة “الراشدين” بحق أطفال كفريا والفوعة، أهمية خاصة لكي ندرك المعادلة التي تقوم عليها السياسة الصهيو – أمريكية في بلادنا وهي “أن الجريمة التي لا    يبقى السؤال الأخطر، لماذا تمر مجزرة “قانا” كل عام دون أي تحرك رسمي أو حتى شعبي لبناني وعربي، لتذكير العالم فيها وبالتواطؤ الدولي على حق الحياة الإنسانية لصالح الغطرسة العنصرية الإرهابية،

ما الذي يمنع أن يقوم في بيروت أو أي عاصمة عربية متحف للمجازر الصهيونية والإرهابية في لبنان وفلسطين والعراق ومصر وتونس واليمن وليبيا وكل أقطار الأمّة لتكون كاشفا لحجم جرائم الاستعمار والصهيونية وأدواتهما من جهة، كما لكشف معاناة هذه الأمّة على يد أعدائها من الخارج والداخل معاً.

 4-  العرب شيء وحكامهم شيء

          يوزع بعض الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي كلمات منشورة للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يرد فيها على تهديدات واشنطن وينهيها بقوله :” نحن لسنا عرباً”.

          وبغض النظر عن صحة الكلام المنسوب للزعيم الذي سطع نجمه في سماء العداء للامبريالية الأمريكي، ورغم تفهمي لدوافع الذين يوزعون هذا الكلام أما بدافع الإعجاب بالزعيم الكوري أو بدافع الاعتراض على تخاذل العديد من حكام الأمة وانبطاحهم أمام الضغوط الأمريكية والصهيونية، فلا بد من تذكير الجميع إن هناك فارقاً كبيراً بين حكام عرب احترفوا الانبطاح أمام أعداء الأمة، وبين مناضلين عرب احترفوا مقاومة كل احتلال أو عدوان أو أحلاف ومشاريع استعمارية.

          فمن مشرق الوطن إلى مغربه، وفي القلب منه فلسطين، حكايات مقاومة عربية لكل أشكال الاحتلال والانتداب والحماية الاستعمارية، بل لكل الأحلاف والمشاريع الهادفة إلى خدمة مصالح الطامعين في أرضنا ومواردنا…

          والأرض العربية من نواكشوط إلى صنعاء، مروراً بفلسطين ولبنان والعراق وسوريا ومصر والسودان والمغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا مزروعة بأجساد الملايين من أبناء امتنا العربية والشهداء والمجاهدين ضد الاستعمار….إننا امة لم تتوقف عن المقاومة منذ وطأت قدم جندي استعماري أرضنا في نهايات القرن التاسع عشر.

          إن دور الحكام العرب في معظمهم بات واضحاُ وهو تكبيل إرادة أبناء الأمة العربية ومنعهم من مقاومة الاستعمار والصهيونية وأدواتهما….

          فكفى تشهيراً بالعرب ومن قبل العرب أنفسهم.. فنحن بهذا التشهير نخدم مخططات أعداء امتنا المدركين إن طريقهم الوحيد إلى الهيمنة على امتنا هو زرع اليأس في نفوسنا… فاليأس هزيمة دائمة… أما امتنا فهي تدخل عصر الانتصارات رغم كل شيء … لأنها دخلت عصر المقاومة بكل أشكالها….

          نرجو التمييز بين حكام متخاذلين متواطئين متآمرين وبين شعوب مؤمنة مجاهدة مكافحة في سبيل حريتها وكرامتها….