عندما يعربد داعش في الشرق الاوسط وفي اوروبا وعندما تدير ايران معارك نازفة في اليمن وفي سوريا فان خطوات اردوغان ذات نزعة القوة ولكن الديمقراطية ظاهرا لا تعتبر هي الامر الاخطر الذي يجري الان في المنطقة

 ardogan-bb.jpg777

بقلم: أودي سيغال

آلاف الكلمات من التحليل كتبت هذا الاسبوع عن الخطوة الاخيرة لرجب طيب اردوغان، الرئيس التركي، الذي قاد استفتاء شعبي لتوسيع صلاحياته. ودحر السؤال عما يريد الى الهوامش، كان التركيز على ما يفعل. هذا تغيير سليم ومبارك بالنسبة لسلوك الزعماء في العالم، لانه الاختبار الاهم حقا.

الكثير جدا من الالقاء اعطيت لاردوغان، الى جانب التشبيهات المدحوضة بما يحصل عندنا: دكتاتور، جرافة كاسحة، حاكم كلي القدرة وبالطبع سلطان. وهذا يسوق جيدا وبالتالي فهو عنوان يشد كثيرا: السلطان اردوغان. عن هذا قيل في لغة الاطفال “كان ميت”، وكذا التقديرات عن “الهيمنة التركية” واحاديث عن تجديد عهد الامبراطورية العثمانية. لقد كان السلطان التركي دكتاتورا كلاسيكيا. فقد حكم دون دعم الشعب، دون صناديق اقتراع ودون حملات اعلامية. واتخذت الامبراطورية خطوات عسكرية كاسحة للسيطرة على البلدان وعلى الشعوب الاخرى، بما في ذلك بلاد اسرائيل. جبت الضرائب، اخذت نصيبها من كل “بقشيش”، تحكمت بمسارات التجارة وفعلت ما تشاء.

أردوغان ليس سلطانا. واذا كان لا بد فيمكن أن نسميه حاكما. واحد يحكم ويثبت حكمه بكل الوسائل التي تحت تصرفه في ظل تحدي قواعد المنظومة، ولكن دون تحطيمها. هناك كل أنواع الاشكال للحكام – من بوتين عبر رئيس وزراء هنغاريا، رئيس وزراء سنغافورة ودونالد ترامب وحتى نتنياهو. هم غير متماثلين، بل واحيانا غير متشابهين، وبالنسبة لرئيس وزرائنا – فهو الصيغة الديمقراطية والاكثر سواء للعقل بالنسبة للنموذج السلطوي.

رغم الاغراء الان في توسيع سلطات نتنياهو، فاننا سنركز على اردوغان. شخصيته المشوقة هي جزء مركزي في القصة، ولكن لا يقل اهمية عن هذا هو المنصب المتغير الذي يؤديه في السنوات الاخيرة، وبالاساس الدرس الاليم والحزين الذي يلقنه لنا جميعنا بقوة التوقعات، التحليلات والتخمينات، التي تؤدي الى خيبات الامل، الاكتئاب واليأس.

أردوغان ليس دكتاتورا. ليس بعد. ولكن اذا كان لا بد، فهو ديموقراتور. هو الامل الذي تحطم بالنسبة للغرب والزعيم الذي قاد تركيا الى الاختبار الديمقراطي الاكبر – اختبار الشعب. والشعب، على عادته، خيب الامل.

لقد بدأ اردوغان طريقه كمن جاء لاصلاح المنظومة المستقرة ولكن غير الديمقراطية جدا في تركيا. وقد فعل هذا بالروح الاوروبية كي يستوفي قواعد القبول للاتحاد. فقد خلق الوضع قبله عرضا عابثا لدولة معتدلة ومنفتحة – ما كان صحيحا، باستثناء الحقيقة البسيطة بأن من يحرس كل النظام والاستقرار الرائعين بروح اتاتورك، الذي قاد في حينه انقلابا عسكريا وحشيا، هم الجنود والضباط. بمعنى أن الجيش كان فوق الحكومة وحرس كل القواعد التي تظهر في مظهر الديمقراطية العلمانية. اما عمليا، فالمسلمون العلمانيون والمنفتحون في الجيش التركي فرضوا رأيهم بشكل جد غير ليبرالي.

باتريك كينغسلي  من “نيويورك تايمز″ تحدث هذا الاسبوع عن بضعة اصوات كهذه، شرحت لماذا أيدت اردوغان. بينها معلمة شابة ابنة 28، مروة أرسلان. وهي تشرح فتقول ان “اردوغان وسع بضع حريات شخصية في تركيا، ولا سيما حرية الدين. فقبل عشر سنوات ما كان يمكنها أن تسجل في جامعة تركيا لان النساء مثلها، المحجبات اسلاميا، لم يسمح لهن بالتعلم. وذلك بسبب قوانين سنها اسلافه، والتي تعتبر في نظر الكثيرين في تركيا قوانين قمع علمانية.

أما أردوغان فوضع بالتدريج حدا لهذه القيود: من 2008 سمح للنساء المحجبات بالتعليم في الجامعات، من 2013 العمل في الخدمة العامة، ومن شباط الماضي الخدمة في الجيش ايضا. قسم كبير من السكان الاتراك يرون في اردوغان زعيما حررهم من القمع، الذي ميز برأيهم بلادهم في معظم القرن العشرين. وقالت ارسلان “لا اريد العودة الى ذلك العصر”.

في الغرب رأوا خطواته وقالوا انها قد تمس بالاستقرار، ولكن النتيجة ستكون ديمقراطية سليمة أكثر. اوباما، مثلا، رأى فيه قدوة لزعامة اسلامية معتدلة في منطقة مجنونة. الزيارة الاولى لاوباما بعد انتخابه للرئاسة كانت في تركيا. بل انه أجبر نتنياهو على الاعتذار عن اسطول مرمرة رغم أنه ما كان حقا ما يمكن طلب الاعتذار عليه، وحظي بشكل شخصي بخيبة أمل من اردوغان، الذي فشل في كل اختبار سياسي: فقد راهن على استقرار الاسد في سوريا وفشل. قاد استثمارات كبرى في ليبيا قبل لحظة من انهيار نظام القذافي واتخذ سياسة الحدود الهادئة، التي تبدو اليوم نكتة بائسة.

ولا يزال، بالنسبة للمسلمين المتدينين الذين يشكلون اغلبية في تركيا، اردوغان هو بشكل عام محرر لهم وليبرالي.

اختبار النسبية

عراد نير، محرر الانباء الخارجية في القناة 2، خبير كبير في الموضوع التركي، قدر في الماضي بان لدى اردوغان اجندة اسلامية خفية. كان هذا صحيحا بقدر ما وصحيحا اليوم ايضا، ولكن في السنوات الاخيرة توصل نير الى الاستنتاج بان ما يحرك زعيم تركيا بقدر أقل هو الاسلامية وبقدر الاكثر الاردوغانية. هل يبدو هذا مألوفا؟

لقد أدمن اردوغان على القوة، وهو يفهم بقدر ما يستطيع كي يحافظ عليها ويطورها. في معظم الوقت يفعل هذا بشكل ديمقراطي. الانتخابات ومرة اخرى الانتخابات. الاستفتاءات الشعبية ومباني الدعم الجماهيرية، مثلما بعد الانقلاب العسكري وبعد احداث غازي. الشعب يريد اردوغان قويا، ومثل الزعماء الاخرين، حين ينتقده العالم – فان هذا يقويه بالذات. اوروبا اصبحت محرك تأثير سلبي – اذا كانت ضد اردوغان، فالشعب معه. هذا ايضا نعرفه عن كثب.

يستغل اردوغان هذه الطريقة حتى النهاية واحد لا يقول له كفى. لقد سارع ترامب الى تهنئته على انتصاره رغم علامات الاستفهام لانه ضد طرح علامات استفهام على اجراء لانتخابات اشكالية، والاوروبيون يسكتون لان اردوغان يبقيهم رهائن. فهو يبقي لديه ملايين اللاجئين – بين 3 و 5 ملايين. فالتيار الذي اجتاح اوروبا هزل، واردوغان يبقى يده على الصنبور. خطوة واحدة واحده واذا بلاجئي سوريا يجتازون الحدود سيرا على الاقدام الى بلغاريا في الطريق الى باريس وروما.

بقعة النور من ناحيتنا هي انه لاول مرة في حملة الانتخابات التي ادارها، هاجم اردوغان الجميع باستثناء اسرائيل. الاستناج الثاني باعث على الاكتئاب وخيبة الامل الشديدة – نحو 80 سنة من صعود النازية الى الحكم بالطرق الديمقراطية، لم يطور العالم آلية ناجعة للتدخل وانقاذ المواطنين والاقليات من نزعة الحكم في دولتهم، حتى عندما يكون واضحا ان الحديث يدور عن ذئب مع مؤشرات فاشية، يسير على حدود نزعة القوة عديمة الكوابح. الخطوة الديمقراطية هي شرط ضروري، ولكنها ليست كافية. والغرب العاجز كان عليه ان يبلور منذ زمن بعيد منظومية قواعد، تتضمن الاستيفاء الاساسي لمعايير سلطة القانون. فصل السلطات وحماية الاقليات كشرط للاعتراف والشراكة. ولكن في نهاية المقرر هي المصالح فقط، ومن مثلما يمكنه أن يفهم هذا. بعد الانتخابات التي انتصرت فيها حماس، اسرائيل تدعم عمليا حكما غير شرعي لابو مازن على مدى سنين، وتقع عند أقدام الرئيس المصري السيسي، الذي قاد انقلابا عسكريا ضد قرار الشعب الى جانب الاخوان المسلمين.

الى هذا ينبغي أن نضيف اختبار النسبية. ففي فترة يقود فيها طبيب عيون من دمشق قتل نصف مليون من أبناء شعبه، وعندما يعربد داعش في الشرق الاوسط وفي اوروبا، وعندما تدير ايران معارك نازفة في اليمن وفي سوريا، فان خطوات اردوغان ذات نزعة القوة ولكن الديمقراطية ظاهرا لا تعتبر هي الامر الاخطر الذي يجري الان في المنطقة.

معاريف 21/4/2017