جميل عبد النبي: رسالة لفتح وحماس

jamil abdel nabi.jpg666

جميل عبد النبي

في المحصلة : المواطن هو الذي يدفع الثمن وحيدا، أما متنفذوا السياسة، وبعض متنفذي الأحزاب فالحياة لا زالت بالنسبة لهم رغيدة ! وربما ستنخفض مستويات الرفاهية الشخصية لبعضهم فيما لو انتهى الانقسام، حيث دائما هناك مستفيدون وتجار أزمات .

لا تنقصهم الوظائف لأبنائهم وربما لا يحتاجونها أصلا ! فلديهم من المال ما يمكنهم من إدارة مشاريع خاصة تؤمن مستقبل أولادهم، ويمكنهم بالتأكيد الاستغناء عن الكهرباء ببدائل أخرى مكلفة كالطاقة الشمسية مثلا، التي لا يستطيع المواطن المسحوق أن يوفر تكلفتها، ويمكنهم أيضا التنسيق للسفر إن اضطروا إليه، كل شيء متاح لهم، فمن الطبيعي إذن ألا يشعروا بمستوى الضيق والقهر الذي يشعر به المواطن ! بل من الطبيعي أن يشعروا بالدهشة من ضجر المواطن ! فما بال هذا المواطن لا يشعر بسعة الحياة وجمالها ؟!

ستحقق الكلمات أعلاه شيئا من العاطفة، وسيبدأ البعض بالقول: آه والله صحيح ! وسأنال على هذا الكلام شيئا من الإعجاب ! لكني سرعان ما سأفقده بمجرد دخولي في التفاصيل، حيث الشيطان الرجيم يكمن هناك متدثرا بأغطية تفاصيلنا المقززة .

وفي التفاصيل أقول : بأن المواطنين ليسوا غاية ولا هدفا لأي من أطراف النزاع الفلسطيني، ولا للمتفرجين ! من فصائل اللا فعل في الساحة الفلسطينية، المواطنون ليسوا أكثر من أداة أقصى دور لها في نظر الأطراف المتنازعة أن تستخدمها للضغط على الطرف الآخر ! وللحق : نحن مستعدون أن نمارس الضغط، ولكن ليس بتوجيه من طرف ضد طرف، فحتى اللحظة لسنا متأكدين بعد أن هناك جهة بريئة من التسبب في أزمتنا، وإنما الضغط الذي ينهي هذه الحالة المشينة، ويفتح لنا آفاقا لحياة ممكنة ( وليست مرفهة ) ! فنحن متواضعون لا نبحث عن أكثر من الحياة !

لماذا لسنا متأكدين من براءة الأطراف ؟!

سنضطر هنا للعودة إلى الخلف ولو قليلا، ونتساءل عن مسببات هذه الحالة، أو بالأصح كيف وصلنا إلى هنا ؟!

قبل الإجابة علي أن أذكر بأن ما سأقوله سوف لن يعجب فتح، ولن يعجب حماس ! ولا حتى باقي فصائل ( اللا فعل ) ! وبالطبع سأقبل أن يقول لي أحدهم : ” إنت مش عاجبك العجب ” وسأجيب بلا تردد : إذا كان العجب هو آداء فتح التفاوضي، ومن ثم آداؤها في السلطة، ويضاف إليه آداء حماس الحزبي والحكومي، وكذلك صمت الفصائل السلبي، فبكل وضوح وبدون لف ودوران ‘” آه .. مش عاجبني العجب، ولا الصيام في رجب !”

ولأن المقام لا يتسع لكل التفاصيل ( التي يختبئ ) فيها الشيطان ! فسأكتفي بالعناوين:

فتح قررت منفردة وبدون إجماع وطني الذهاب إلى أوسلو، وهناك وافق الزعيم الراحل ياسر عرفات – رحمه الله – على ما حذره منه أقرب رجاله ( هاني الحسن ) المتمثل في مرحلية التفاوض، ظانا أنه يمتلك أدوات تفاوضية مؤثرة سترغم إسرائيل على قبول الشروط الفلسطينية في مراحل تفاوضية مستقبلية، ووافق على إنشاء سلطة على جزء مما أعلن عن قبوله من قبل كحل مرحلي، هذه السلطة مقيدة بكل أغلال الأرض، وفي رقبتها حبل ممدود آخره في قبضة المانحين، سرعان ما يشدونه إن بدا منا أي محاولة للتمرد ،،، حماس وآخرون رفضوا مشروع السلطة، وعملوا على إفشاله بكل السبل، وكثيرا ما كانت إسرائيل تتخذ من عملياتهم العسكرية ذريعة لتعطيل تنفيذ بعض الاتفاقات – وهذا صحيح – واستمرت حالة الجمود على مستوى جوهر الحل حتى محادثات كامب ديفيد، عندها تيقن أبو عمار أن لا حل بالمجان، ففتح المجال لبعض مظاهر الفعل المقاوم، ومن ثم انطلقت الانتفاضة الثانية، خلالها كدست الفصائل سلاحها في غزة، وأظن ذلك تحت عين الاحتلال !!! كان نصيب حماس هو الأكثر وفرة وتأثيرا،، أحداث كثيرة وقعت خلال تلك الفترة لا يتسع المقام لذكرها، حتى جاءت انتخابات 2006 وفازت حماس .

لا تستطيع فتح الادعاء أنها قبلت بروح ديمقراطية نتائج الانتخابات، ولا أنها تجاوبت مع تسلم حماس للحكم، بل ولا انها لم تصطنع العراقيل المتعمدة لإفشال حماس .

حماس : تجاهلت – لسبب نجهله – كل النصائح التي طالبتها قبل الانتخابات بعدم الدخول بكل طاقتها، حيث لا يمكن الجمع بين السلطة والمقاومة، إلا بتكرير سناريوهات من سبقها، وخاصة أننا أمام سلطة في رقبتها حبل آخره في يد آخرين لسنا متأكدين أنهم أصدقاء لنا !!! ولما تباطأت فتح في التسليم بنتائج الانتخابات، تعجلت حماس واستخدمت السلاح الذي كان يجب ألا يستخدم إلا للمقاومة، لأنه باسمها دخل القطاع، وسيطرت بالقوة على غزة، وطاردت وقمعت كل مظاهر الانتماء إلى السلطة القديمة، دون أي تقدير للعواقب، ودون الاعتماد على أي مصدر مالي حقيقي يمكنها من إدارة الحياة الغزية، سوى جيوب الفقراء التي لاحقتها حتى الرمق الاخير بكل أشكال الضرائب، ودائما تحت عنوان حق كل حكومات العالم في أخذ الضرائب، ودائما أيضا متجاهلة النصف الآخر لمعادلة الضرائب، والذي يقول : بأن من واجب كل حكومات العالم التي تفرض الضرائب أن تنفق على احتياجات المواطنين، إلا أن حماس – على ما يبدو – كانت تنتظر من السلطة المطرودة !!! أن تنفق بدلا منها لتمكنها من البقاء ( ناجحة ) في حكم غزة .

الآن … وصلنا إلى نهاية النفق ! عشر سنوات قتلت انتماءنا ورغبتنا في الحياة، كمواطنين فقراء أقصى حلمهم أن يرو ابناءهم قادرين على شق مستقبل آمن لهم، فما الحل ؟!

حتى اللحظة كل جهة تريدنا بوقا لها، وتريدنا تبني – حرفيا – مقولاتها، دون أن تعترف أي منها انها استدرجت للقفص المظلم بوعي او بدون وعي، دون القبول أو العودة للشعب، ودون أن تحترم حقنا في أن نعلن أن تجاربهم في الحكم لم تخل من الفساد والفئوية، والكثير من القمع والإساءة للمواطنين .

في كل الاحوال : نحن نبحث عن حل، يلزم الطرفين بالقبول بالآخر، و يخرجنا من حالة التفرد التي تجلب كل ما هو قبيح، وهذا الحل، لا يمكنه أبدا أن يكون من خلال ذبح جهة لصالح جهة !

ولتوضيح ذلك : حماس مثلا لا تستطيع أن تقول لآلاف الناس ممن وظفتهم لسد حالة الفراغ التي نشأت بعد الاقتتال : اذهبوا لبيوتكم، نحن فشلنا ولا نستطيع أن نضمن لكم أي دخل تعتاشون منه ! هذا انتحار لن تقبله حماس، لكن وفي نفس الوقت فإن السلطة لا تستطيع قبول كل التفاصيل وفقا للمواصفات الحمساوية الاستثنائية وأحيانا الكيدية، لذلك يمكن مثلا استمرار السلطة في منحهم رواتب بالقدر الذي يأخذونه من حماس مؤقتا، إلى أن يتم استيعابهم مع موظفي السلطة القديمة بعد تقييم إداري ووظيفي خلال فترة زمنية محددة .

سلاح المقاومة لا يمس، لكنه يجب أن ينسحب بالكامل من الحياة المدنية، ولا يمنح أي صلاحيات تمكنه من عرقلة سير الحياة القانونية في البلد، وأن تقبل بكونها مقاومة دفاعية في غزة وليست هجومية، وأن تخضع أي خطوة تصعيدية للتوافق الوطني .

تسلم حماس مسئولية القطاع كاملة لحكومة التوافق .

البدء الفوري بالتخطيط لانتخابات جديدة للتشريعي والرئاسة والمنظمة، خلال مدة متفق عليها .

يلتزم أبو مازن ببرنامج الحد الأدنى ( التوافق على حدود 1967 ) وعدم التوقيع على أي حل نهائي إلا باستفتاء شعبي عام .

في حالة عدم اتفاق الطرفين فأنا أدعوهما لحل نفسيهما وحل السلطتين وتسليم مفاتيحهما للمجتمع الدولي، أو العودة إلى ما قبل أسلو .

ملاحظة : لا تعبر النقاط السابقة خاصة الأخيرة منها عن رؤيتي لحل الصراع مع إسرائيل، وإنما مجرد مقترحات لإنهاء الانقسام .