انتصار كبير لاردوغان وهزيمة ساحقة لخصومه.. ما هي تحديات “اليوم التالي”؟.. واين تكمن الاخطار الحقيقية؟ وهل ستظل تركيا موحدة؟ وكيف نقرأ خريطة المستقبل سياسيا وجغرافيا؟

ardogan-winn.jpg777

 

لم يكن فوز الرئيس رجب طيب اردوغان في الاستفتاء التركي الذي جرى يوم امس الاحد مفاجئا، بل كان متوقعا، لان الرجل، وحزبه الحاكم (العدالة والتنمية) يملكان قاعدة شعبية عريضة في الوقت الراهن، وقدرة كبيرة على الحشد والتحشيد، ونسج التحالفات السياسية (الحلف القومي التركي)، وكيفية اختيار الاعداء وتوجيه الرأي العام التركي ضدهم (اوروبا).

الرئيس اردوغان اثبت انه اللاعب الرئيسي الاول على الخريطة السياسية التركية، وساعده على ذلك انجازات اقتصادية ضخمة على مدى اكثر من عشر سنوات، ومعارضة سياسية ضعيفة مهلهلة ومحيط اقليمي ملتهب.

انه انتصار كبير عبر صناديق الاقتراع، وليس من خلال انقلاب عسكري، ولكنه انتصار ربما يكون مكلفا في السنوات المقبلة لصاحبه وحزبه معا، لانه قد يخلق الكثير من الاعداء، في ظل انكماش اعداد الاصدقاء، او حتى انعدامهم، خاصة في دول الجوار.

لا شك ان الرئيس اردوغان حصل على تفويض شعبي، ولكنه ليس تفويضا كبيرا، او مفتوحا، يؤهله لادارة البلاد لسبع او عشر سنوات مقبلة، او مدى الحياة كباقي السلاطين، دون مشاكل او مطبات، فنسبة الفوز كانت محدودة لا تزيد عن واحد في المئة، مما يعني ان ما يقرب من نصف الشعب التركي لم يمنحوه هذا التفويض الذي يريد، وسيبقون في المعسكر المضاد، خاصة من ابناء المدن الكبرى التي تشكل العصب التركي الرئيسي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، مثل اسطنبول وانقرة وازمير، ذات الكثافة السكانية العالية.

نتائج الاستفتاء كشفت عن حالة استقطاب طائفي وعرقي ومناطقي غير مسبوقة في تركيا، مثلما كشفت عن انقسام تركيا الى معسكرين كبيرين، واحد مع الرئيس وحزبه، والثاني يقف في المعسكر المضاد، الامر الذي قد يتطور الى مواجهات مستقبلية قد تأخذ طابعا غير سياسي ديمقراطي، وتبلور قيادة قوية تحل محل قيادة المعارضة الحالية الضعيفة.

الرئيس اردوغان نجح بهذا الفوز في كسر هيبة كمال اتاتورك، مؤسس تركية الحديثة، ووجه ضربة قوية الى ارثه السياسي الذي اراد حرف الهوية التركية من هوية اسلامية الى هوية اوروبية غربية، وهذه حقيقة لا يجب اغفالها او التقليل من شأنها وتداعياتها المستقبلية على تركيا والمنطقة بأسرها.

الاختبار الحقيقي للرئيس اردوغان سيبدأ اليوم، لان التحديات الحقيقية التي تواجهه، وخاصة اعادة توحيد تركيا، اكبر كثيرا مما يتوقعها، كما ان حجم الاعداء سيتضخم عددا وقوة، وفوق هذا وذاك، التدهور الاقتصادي المستمر، وحروب الاستنزاف التي تخوضها تركيا في دول الجوار، وسورية على رأسها.

الرئيس اردوغان انتصر، والاحتفالات تعم مراكز حزبه وقواعده الشعبية، ولكنه انتصار ربما يكون باهظ التكاليف اذا لم يتم توظيفه في مصلحة تركيا كلها، وليس في مصلحة الحزب الفائز، بعيدا عن الثأرات والنزعات الانتقامية من الآخر المهزوم.

“راي اليوم”