بوصلة التغيير في المغرب: بنكيران اهين وحزبه مهدد

tarek lisawi.jpg555

د.طارق ليساوي

بعد مرور خمس أشهر على  انتخابات 7 أكتوبر و تعيين السيد “عبد الله بنكيران” رئيسا للحكومة بصفته أمينا عاما ل”حزب العدالة والتنمية”المحتل للرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية، و تكليفه من قبل ملك المغرب بتشكيل أغلبية حكومية، وبعد فشله -أو إفشاله- في جمع طيف الأغلبية الحكومية، تم إعفاءه من قبل الملك و تعيين شخص ثاني من نفس حزب السيد “بنكيران “…

الواقع أن هذا الأمر فيه الكثير من الايجابيات لا سيما للأغلبية التي قاطعت عن وعي انتخابات السابع من أكتوبر و قبل ذلك رفضت دستور2011 باعتباره دستورا ممنوحا يكرس للحكم الفردي، فهذه الأغلبية أدركت بأن المخزن -أو الدولة العميقة- لم يكن صادقا في نواياه، لكنه اضطر تحث ضغط الشارع أن يقدم تنازلات سرعان ما أثبتت الممارسة العملية عكس ما تم الترويج له من إصلاحات دستورية وسياسية …

فالسيد بن كيران و حزبه العدالة والتنمية قدموا طوق النجاة للمخزن إبان الحراك الشعبي لعام 2011 و الذي تزعمته “حركة 20 فبراير”، وأضاعوا على المغرب فرصة تاريخية لتحقيق انتقال ديمقراطي حقيقي، وهو أمر كان بالمستطاع تحقيقه لا سيما و أن مطالب الشعب كانت جد معقولة، لم يكن أحد من المحتجين في الشارع يريد إسقاط النظام أو الإضرار باستقرار و أمن البلاد، بل على العكس أعطى شباب الحراك الشعبي نموذجا في التحضر و النضال السلمي المسئول …

هذا المقال لا يمثل دفاعا أو هجوما على السيد “عبد الله بنكيران” أو حزبه ، فقد هاجمت سياسته في السابق بما يكفي، ولم ولن أهاجم شخصه، انتقدت حرص سياساته على ضرب مطالب الشعب في العدالة الاجتماعية وفي الحرية والكرامة وفي محاربة الفساد، و انتقدت تبني حكومته لنهج نيوليبرالي يخدم مصالح “الأوليغارشية” المتحكمة في موارد البلاد، والإضرار بمصالح الأغلبية الساحقة التي اعتبرت “حكومة بنكيران رمزا للتفقير و التجويع و رفع الأسعار…” .

لكن وهو اليوم خارج من رحم السلطة، بعد إعفاءه من منصب استحقه بحكم صناديق الاقتراع، فإنني من دون شك أتعاطف معه لأن ظلما لحق به، و ليس تأييدا لبطولاته، للأسف فسياساته كانت تخدم مصالح من نصبه و من عزله، ولم تكن في صالح من صوت عليه …وتعاطفنا معه سيكون بالنصيحة له و لحزبه ، مع أننا ليس أهلا لهذه النصيحة، لكن على غرار المثل الدارج” يضع سره في أضعف خلقه” سنقول لسيد “بنكيران” و إخوانه  خذوا العبرة من الأستاذ “عبد الرحمان اليوسفي” و الذي لعب دورا مهما في انتقال الحكم بشكل سلمي من الملك الراحل الحسن الثاني إلى الملك الحالي، ومع دلك تم استبداله بوزير أول تقنوقراط اسمه “إدريس جطو” و تصفية إرث حزب وطني عريق “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” الذي عارض بشراسة الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي، منذ الاستقلال إلى حين تشكيل حكومة ماسمي ب”التناوب”…

لا تتمسكوا بالكراسي و المكاسب، وتمسكوا بمصلحة حزبكم أولا حتى لا يتعرض للانشقاق، تم تمسكوا بأصوات من وضعوا فيكم الثقة فهؤلاء هم من أوصلوكم للكراسي و لم تصلوا بعد للحكم…نفضل أن تختاروا المعارضة و التصالح مع القوى الحية في البلاد، والتي أدركت منذ زمن أنه لا جدوى من اللعبة السياسية الحالية فهي عرجاء، و لن تقود للديمقراطية ولكن ترسخ “الذلقراطية” على حد تعبير الأستاذ “المهدي المنجرة” رحمة الله عليه..

وهاهو العاهل المغربي يؤكد  ما قلناه فقد اختار أحدا من صفوفكم السيد “سعد الدين العثماني”،  بغض النظر عن مقررات المجلس الوطني للحزب (برلمان الحزب)، فليس من حقكم حتى التوافق على مرشح يمثل بديلا عن الأمين العام للحزب، بل تم التخلي عن السيد “بنكيران” بطريقة مهينة برغم من أنه كان ملكيا أكثر من الملك …

إن البديل الذي لا مفر منه هو الاعتراف بأن المغرب لازال لم يدخل بعد عصر الديمقراطية، و لازال يعيش تحث منطق الحكم الفردي، فتواتر الأحداث منذ 2011، يؤكد أن خطاب الإصلاح السياسي و الدستوري ليس سوى نوع من “البروبكاندا” الموجهة للخارج، أما الشعب المغربي فلا يساوي بالنسبة للماسكين بزمام السلطة شيء يذكر،  فهو بنظرهم شعب لم يصل بعد إلى مستوى الوعي و التحضر و الحداثة وغير مِؤهل لممارسة الحرية والديمقراطية…

 قد يكون هذا الحكم على درجة من الصواب، لكن من أوصل الشعب المغربي لهذا المستوى أليس الاستبداد السياسي و ضعف و انحراف السياسات العمومية ؟ و تبني سياسات تعليمية مشوهة أفرزت أنصاف المتعلمين ؟ ألم تعمل السلطة على تدجين الأحزاب و هيئات المجتمع المدني و جعلها مكانا للتنافس على المكاسب الشخصية بدل القيام بوظيفتها الأساسية في تأطير المواطن و نشر الوعي السياسي ؟ إن المسئول الأول عن كل هذه الاختلالات هو الاستبداد السياسي الذي حكم البلاد منذ الاستقلال إلى اليوم …

نأسف لحال البلاد و حجم الفرص و الإمكانات الضائعة، بفعل سياسة صم الأذان و الاحتكار المجنون للسلطة و الموارد. فإفريقيا التي كانت بالأمس القريب بؤرة للجوع و الفقر و الانقلابات العسكرية، أصبحت بلدانها تتجه بالتدريج  نحو تبني قيم العدل و المساواة ونبذ الفساد و احتكار السلطة، و أصبحت الحريات السياسية والمدنية مكفولة للجميع…

 لقد أصبح اليوم جزء كبير من المغاربة يتمنى أن يصل إلى مستوى ما وصل إليه الأفارقة، بعدما كان أجدادنا المغاربة يتمنون أن يصلوا إلى مستوى القارة العجوز…و لا يعني كلامي هذا التهكم على الأفارقة، بل على العكس فإفريقيا تشهد تحولات عميقة و استدللنا بهذا النموذج لكي نقول لحكام المغرب بأن التغيير أمر حتمي، و لا تراهنوا على الاستقرار الهش…

فلا أحد في العالم العربي كان يتوقع إسقاط أنظمة حكم عمرت عقودا من الزمن …و بدلا من التنافس المحموم على المكاسب و المناصب، تنافسوا من أجل إصلاح أحزابكم و نفوسكم، حتى تتمكنوا فيما بعد من إصلاح بلاد أنهكها الفساد و الاستبداد والاستعباد وسوء التدبير …مصدقا لقوله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم) (الرعد : 11 ( …و الله غالب على أمره…

*إعلامي مغربي و أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي .