الجمود السياسي في العملية السلمية يجعل المتطرفين في المجتمع الفلسطيني وخاصة في الشتات يديرون الظهر للمؤسسة القديمة م.ت.ف

 plo.jpg444

بقلم: ايلي فوده

في نهاية شهر شباط 2017 عقد في اسطنبول مؤتمر هو الأول من نوعه، قام بتجميع وفود مؤسسات المجتمع المدني ونشطاء سياسيين واجتماعيين من جميع أنحاء الشتات الفلسطيني، لنهاية اسبوع من النقاش حول مستقبل الشعب الفلسطيني. ومن الملفت ملاحظة أن مؤتمر هام كهذا لم يجد أي اهتمام في وسائل الاعلام الاسرائيلية.

 جمود العملية السلمية بين اسرائيل وقيادة م.ت.ف، واستمرار الانقسام بين فتح وحماس، واليأس العميق في اوساط الفلسطينيين في الضفة وقطاع غزة. الشعور السائد هو أننا نوجد في نهاية مرحلة، والجيل المؤسس للحركة القومية الفلسطينية – الجيل الذي خلق الهوية التي ترتكز على النضال في الشتات وحاول اقامة دولة في اراضي 1967 كجزء من حل وسط تاريخي – شارف على انهاء دوره بدون نجاح بارز. ويمكن القول إن الصراعات الداخلية التي تميز الوضع السياسي في السلطة الفلسطينية ستمتد الى اماكن اخرى يوجد فيها الفلسطينيون. على هذه الخلفية، مؤتمر اسطنبول يعتبر ادارة ظهر الشتات الفلسطيني للدور التاريخي لـ م.ت.ف ومراكز القوة السياسية في مناطق السلطة الفلسطينية، التي وجدت نتيجة اتفاقيات اوسلو.

رغم محاولة الامتناع عن اعطاء هوية سياسية مؤسساتية، إلا أن هناك من بين منظمي المؤتمر، الذي مول من تبرعات رجال اعمال ويحظى بالدعم اللوجستي من بلدية اسطنبول، شخصيات قديمة مثل منير شفيق وهو رجل فتح سابقا، وكان من رواد التيار الاسلامي في الحركة والذي انتخب أمينا عاما للمؤتمر. والمثقف سلمان أبو ستة الذي انتخب رئيسا للمؤتمر.

لقد اجتمع في القاعة 5 آلاف شخص معروفين بمعارضتهم لاتفاق اوسلو. هذا الرقم اللافت يؤكد على أن م.ت.ف لا تمثل اغلبية الشتات الفلسطيني. وكان الخط الناجع هو رفض حل الدولتين والمطالبة بحق العودة للاجئين 1948. وهذا الخط يناقض قرار 242 الذي تبنته م.ت.ف في العام 1988، ويناقض ايضا اتفاقيات اوسلو. وقد تحدث المشاركون عن الحاجة الى إحداث الاصلاح في م.ت.ف، وطلبوا اجراء انتخابات عامة لمؤسساتها من اجل تحويلها من جديد الى منظمة ناجعة تمثل ديمغرافيا وفكريا جميع الشعب الفلسطيني. ولم يكن غريبا أن م.ت.ف كانت هي أول من عارض هذا المؤتمر، وزعمت أنه لا توجد صلاحية لأحد بأن يسير في خط سياسي قومي بديل. وحماس في المقابل سارعت وباركت هذا المؤتمر وقراراته. فبالنسبة لها هذه فرصة لتعزيز مكانتها السياسية. حركة حماس تمثل الى درجة كبيرة روح المرحلة – اليأس والاقرار بالطريق المسدود الذي وصل اليه الفلسطينيون. وهي تسيطر بشكل مطلق على واقع الشبكات ووسائل الاعلام، الامر الذي يمكنها من نشر افكارها بسهولة رغم أنها لا تحظى بامكانيات ومصادر م.ت.ف الكثيرة. وبصفتها حركة تريد السلطة، هي تعرف أنه لا يمكنها البقاء مستعبدة من قبل ميثاق م.ت.ف من العام 1988. لهذا فهي تقوم بانتاج نقاش يشمل عناصر لاسامية الى جانب المطالبة الواضحة بالقضاء على اسرائيل وأسلمة المجتمع الفلسطيني.

إن صراع حماس ليس فقط في الساحة الفلسطينية، بل ايضا في الساحة الاقليمية، وهدفها هو التحول الى لاعب سياسي اقليمي. والطريق لتحقيق هذا الهدف يتم من خلال تقوية شرعيتها السياسية والسيطرة على النقاش الفلسطيني واجراء نقاش سياسي مع الدول العربية المعتدلة، اضافة الى بلورة استراتيجية حذرة في التعامل مع مصر، لمساعدتها على الحفاظ على سيطرتها في قطاع غزة. هذا ما يسعى اليه قادة الحركة، حيث تنضم حماس الى مؤسسات م.ت.ف ومن هناك يمكنها، مع مرور الوقت، قيادة الحركة القومية الفلسطينية.

تدرك قيادة فتح طموحات حماس، لكنها تنشغل الآن في معركة الوراثة للحقبة التي تلي أبو مازن. صحيح أن الجمود التاريخي في مؤسسات م.ت.ف مكّن فتح من قيادة الحركة القومية الفلسطينية منذ التوقيع على اتفاقيات اوسلو، لكن المطالبة باجراء الانتخابات في المجلس الوطني الفلسطيني من قبل مؤتمر الشتات المنعقد في اسطنبول، ونهوض الاسلام السياسي ورغبة حماس في أن تصبح لاعبا سياسيا، كل ذلك يضع تحديا كبيرا أمام فتح وم.ت.ف.

إن مؤتمر الشتات الفلسطيني يشكل اشارة تحذير هامة في تاريخ الحركة الفلسطينية. فالشتات ليس فقط يدير ظهره للمؤسسة القديمة، بل هو ايضا يعزز بشكل غير مباشر مطالب حماس الايديولوجية. واسرائيل من ناحيتها لا يمكنها النظر برضى الى هذه التطورات، وعليها أن تعرف أن غياب العمل والطريق المسدود، هما في صالح الجهات المتطرفة في الساحة الفلسطينية: اذا كانت السلطة الفلسطينية برئاسة أبو مازن أو من سيخلفه لا يمكنها تقديم الفواتير للخط السياسي غير العنيف، فسيستبدلها المتطرفون في نهاية المطاف. واسرائيل لن تستطيع القول في المستقبل بأنها لم تعرف ولم تلاحظ، لذلك فان التقدم بمبادرة اسرائيلية، سواء كانت اقليمية أو محلية، هو الامر المطلوب في الوقت الحالي.

هآرتس  19/3/2017