الأكاديمي والناقد السينمائي العراقي د.طاهر علوان: نحن امّة لا تفكّر الا بالأمن والعسكرة وصناع القرار يحتقرون السينما ويهمّشونها

alwan.jpg55

حاوره من باريس ــ حميد عقبي

هنالك وضع شديد التعقيد فيما يخص السينما في العالم العربي بصفة عامة، السينما لم تتبلور الى استحقاق ثقافي وحضاري يجب دعمه والتشجيع عليه كأولوية..يطرح د.طاهر علوان في اللقاء عدة نقاط مهمة لعلها تساعدنا في فهم العديد من الاشكاليات السينمائية كضعف الافلام المنتجة وسطحية النقد والمهرجانات السينمائية، كما توسع حديثنا معه ليتطرق عن المشهد الثقافي العراقي حيث يرى ان المثقف اليوم اكثر فاعلية وانتاجا من المؤسسة الرسمية الحاضنة، المؤسسة الثقافية خاضعة للمحاصصة الطائفية  كحال كل المؤسسات في العراق.

كما تطرقنا لمناقشة مواضيع مهمة ناقشت القصة القصيرة والحديث عن رواية “الكائن الافتراضي”، لنرحب بضيفنا الكريم واليكم تفاصيل حوارنا.

*هنالك متغيّرات كثيرة في الحياة الثقافية والسينمائية في العالم العربي خاصة بعد ما عُرِف بالربيع العربي ، كيف تنظر للمشهد الثقافي العربي في ظل تلك المتغيّرات ؟

ـ لاشكّ ان الحياة اساسها الحركة والغيير والثّبات والجمود ليس من طبيعتها ، واهمٌ من يظن ان صمت الغربان المخيّم على النظام العربي التقليدي هو علامة صحة بل هو علامة جمود لكن لايعني ذلك ان نستبدل الجمود بالفوضى والعنف ، وتلك حُجّة صارت تلقى علي كل من يطالب بأسبط شروط الكرامة الانسانية أن انظر ما حلّ بالعراق وسوريا وليبيا وغيرها من الساحات في تخليط مرواغ لتيئيس الناس وابقائهم اسرى اوضاعهم التعيسة .

هنالك من نعى وشمت في الربيع العربي ومن سمّاه خريفا ، لكنّ اصوات الشّعوب وتضحياتها من اجل الكرامة والحرية والعيش الكريم ظلّت وستبقى اما الانجراف للحروب الأهلية والعرقية والطائفية فهو ليس في مصلحة احد في العالم العربي .

على صعيد المشهد الثقافي العربي ماقبل مايسمى حقبة الربيع ومابعدها لا اختلاف : الامية نفسها ، تهميش الثقافة والمثقفين نفسه ، رداءة صناعة الثقافة ، ارتفاع مهول في اعداد الاميين ، تدهوّر في نشر الكتاب ، اهمال لقطاع السينما والمسرح والفن التشكيلي ، هو تراجع كبير ، والخلاصة : ان الشعب الصحيح الذي يعيش حياة مستقرة وكريمة ينتج ويبدع سينتج ثقافة متميزة وناضجة والعكس صحيح.

*      المهرجانات السينمائية العربية رغم قلة الانتاج السينمائي وضعف جودة الأفلام..كيف تفسر لنا هذه الظاهرة؟

لا اظنّ ان هنالك كثرة في المهرجانات السينمائية ، بل هي مصابة بما اصاب قطاع السينما من تراجع في الكم والنوع ، هي تظاهرات ما زال امامها شوط طويل لتصل الي مستوى مهرجانات صارت مدارس عالمية مثل برلين وكان وادفا وكارلو فيفاري وفينيسيا وتورنتو وغيرها كثير . بالعكس ان المهرجانات السينمائية يجب ان تتسع لتشمل العالم العربي كلّه وأن تُدعَم لأنها فضاء ثقافي وسينمائي لتبادل الخبرات والاطلاع على احدث ما انتجته السينما في العالم او في الاقليم.

*رغم كثرة الكتابات النقدية السينمائية إلا أن هناك من يرى أغلبها بعيدة عن النقد..كيف ترى المشهد النقدي السينمائي؟

النقد السينمائي ليس منفصلا عن عموم الحركة السينمائية ، وفي المقابل هي مهنة واحتراف لكننا لا نجد في العالم العربي من يستطيع العيش من هذه المهنة وان تجد اهميتها بين المهن كما في بلدان الغرب بل ان على الناقد اما ان يعمل في الصحافة ويكتب انتاجية بناءا على تلك الوظيفة او يعمل في التعليم ويلقّن التلاميذ مبادئ واسس النقد، هنالك كثير من الكتابات التي تقترب من الانطباعات السّطحية بينما النقد الرصين والمتماسك والعميق والمنهجي قليل جدا .

*نسمع مصطلح المشهد الثقافي والفني العراقي ما بعد التغيير..ماموقفك من هذا المصطلح؟ وهل من مسارات فكرية وجمالية جديدة وواضحة؟

  • مازال الوضع العراقي مضطربا بسبب عدم استقرار الساحة السياسية وتعقيدات الصراعات الظاهرة والخفيّة على السلطة والثروة فضلا عن المشاكل الإمنية كل ذلك انعكس سلبا على الحركة الثقافية ، المثقف اليوم اكثر فاعلية وانتاجا من المؤسسة الرسمية الحاضنة ، المؤسسة الثقافية او اعطابها انها خاضعة للمحاصصة الطائفية حالها حال اية مؤسسة اخرى في البلد ، هنالك تراجع مؤسف في شتى قطاعات الثقافة واهمال لمؤسسات المجتمع المدني الثقافية ، تعطّل حركة السينما الا من جهود فردية والامر ينسحب على قطاعات الثقافة الاخرى واكرر ان جمهور المثقفين ينجزون بلا توقّف ، ينشرون الكتب وينتجون المسرحيات ويقيمون مهرجانات المسرح والسينما بينما المؤسسة الرسمية تنظر للموضوع بكثير من اللامبالاة ، هذا الذي شهدناه حتى الان .

*البعض يقول توجد أزمة نص للسيناريو السينمائي والبعض يرى وجود إسهالات روائية تتدفق بشكل مذهل لكن أغلبها لا يثير شهية المخرجين..أين تكمن الأزمة بالضبط؟

الازمة ليست ازمة سيناريو بل ازمة انتاج ، لا توجد ميزانيات سنوية مستدامة للأنتاج السينمائي ابتداءا من الهواة صعودا الى المحترفين ، السينمائي لا يستطيع ان ينجز فيلمه من فراغ ولو جئنا بألمع كتّاب السيناريو ما الفائدة ونصوصهم تبقى على الرفوف لا تتحرّك نحو الانتاج.

* كيف ترى مستقبل السينما العربية ولماذا لم تحرز السينما المستقلة تقدما؟

  • هنالك وضع معقّد فيما يخص السينما في العالم العربي بصفة عامة ، السينما لم تتبلور الى استحقاق ثقافي وحضاري يجب دعمه والتشجيع عليه كأولوية ، نحن امّة لا تفكّر الا بالأمن والعسكرة ، لو أُنفق عشر معشار ما ينفق على السلاح والامن لاصبحت السينما جزدآ مفصليا من حياتنا ولانتجنا اجيالا مبدعة متجددة ، في بلادنا العربية تموت المواهب السينمائية في مهدها او تسود الشِّلل والعلاقات الشخصية ولهذا لا نقدّم كفاءات سينمائية يعتد بها الا باستثنادات قليلة ولهذا لا تتطور السينما عندنا وتصبح علامة فارقة في حياة الشعوب وبعد ان تجتاز هذه المرحلة يمكننا ان نتحدث عن نجاح عالمي ، اما السينما المستقلة فضحيّة اساليب العمل والتخلّف السائد والاهمال .

*توجد بعض الأفلام التافهة تحقق أرقام قياسية في المشاهدة وتجذب شريحة كبيرة من الجمهور ..هل نحن مع ذائقة مختلة ..كيف تشرح هذه الحالة؟

هذه ظاهرة قديمة وطبيعية أحد اسبابها هو الالتباس الحاصل في فهم طبيعة السينما ووظيفتها فهي في عرف مساحات واسعة من الرأي العام هي مجرد وسيلة ترفيهية هامشية لتضييع الوقت والسّفاهة والاثارة وما شابه ، لم يجرِ تعليم الاجيال على اهميتها وخطورتها وانها ارقى ما وصل اليه العقل البشري على صعيد الابداع والفن كما وصل الى تلك المستويات في ميادين التكنولوجيا والصناعة ، مادام صانعوا القرار هم انسفهم يحتقرون السينما ويهمّشونها او يستحرمونها فلا تتوقّع الا نظرة قاصرة وانتشارا للظاهرة التي اشرت اليها .

*طاهر علوان قاص وروائي نود التعرف على هذا النشاط وأهم منجزاتك؟

  • بدأت قاصّا وقبل ان انشر اية مجموعة قصصية كتبت بضعة قصص لنفسي ثم شاركت بأحداها في مسابقة اجرتها مجلة اليوم السابع التي كانت تصدر في باريس في مطلع التسعينيات ، وفازت بالجائزة الاولى من بين اكثر من الفي مشارك ثم توالت الجوائز ثم توالت كتبي القصصة حيث طبعت حتى الان ثلاث مجاميع قصصية ومؤخرا وقْت روايتي ” الكائن الافتراضي ” التي هي فيلم سينمائي متكامل وهي موجودة الان ويتداولها مئات القراء في العراق ويمكن الحصول على كتبي من موقعي جملون ونيل وفرات ، اضافة لذلك وحبّا للقصة فقد ترجمت كتاب مارغريت لوك ” كتابة القصة القصيرة ” وقد صدر حديثا ايضا .

  • في المقابل وضمن منجزي الاكاديمي فقد انجزت الطبعة الثانية من كتابي ” عبقرية الصورة والمكان ” وهي اول دراسة اكاديمية معمّقة في موضوع المكان في السينما على صعيد العالم العربي وهذا الكتاب يعدّ اليوم مرجعا اساسيا للباحثين في الجامعات العربية وقد رصدت العديد من ابحاث الماجستير والدكتوراه التي استفادت من كتابي هذا .

 *وقعت مؤخرا روايتك الجديدة “الكائن الافتراضي” نود أن نعرف ما دوافعك للتوجه إلى كتابة هذه الرواية؟ وماذا أردت أن تقوله من خلالها؟

هذه الرواية كما ذكرت هي فيلم متكامل ، بل فيلم رائع يحكي حقبة مهمة من الحياة العراقية في التسعينيات وليس غريبا ان اكتب الرواية فأنا سارد محترف قصصيا وحاليا اعمل على اكثر من رواية ، هو حقا زمن الرواية العربية وما نسطّره اليوم هو انعكاس لما نعيشه من ازمات على صعيد العالم العربي .

*يرى البعض وجود إسهالات في كتابة القصة القصيرة في عالمنا العربي لكنها تظل قليلة التأثير والجمهور يميل إلى الجنس أو الخرافة .. ما ردك على هذا الطرح؟

ارتفاع مستوى الاميّة وتراجع مستويات القراءة وتراجع صناعة نشر الكتاب هي حقائق صارخة في الحياة العربية ، في المجتمعات المتخلّفة تنتشر الخرافة وتنجرف الناس للسطحية وتنتشر الصراعات وتُحتقَر المرأة ، القصة العربية ما زالت في الهامش وليست خطابا فاعلا له قابلا للانتشار في صميم المجتمعات العربية ، الامر يحتاج الى جهود حقيقية مؤثرة ، المع كاتب قصة لايطبع اكثر من الف او الفي نسخة في مقابل ملايين البشر المتعلّمين في العالم العربي الذين هجروا القراءة وانشغلوا بمتطلبات الحياة ، حتى المتعلّمين لا يُعوّل علي كثيرين منهم ان يكوّنوا جمهورا ثقافيا فاعلا.