اردوغان يتهم هولندا بـ”النازية” بعد اتهامه لالمانيا بـ”الفاشية”.. ولاهاي تمنع طائرة وزير خارجيته اوغلو من الهبوط في مطارها.. لماذا هذا التأزيم المفاجيء في العلاقات؟ وما هي انعكاساته على اقتصاد تركيا واستقرارها؟ وهل المبررات الاوروبية في مكانها؟

ardogan-new-face.jpg8888

 

تتصاعد حدة التوتر بين السلطات التركية والعديد من الدول الاوروبية على ارضية اصرار حزب العدالة والتنمية الحاكم على تنظيم تجمعات جماهيرية مؤيدة له، بمناسبة الاستفتاء الذي من المقرر ان يجري يوم 16 نيسان (ابريل) المقبل، حول التعديل الدستوري الذي سيحول نظام الحكم الى جمهوري، وبصلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية رجب طيب اردوغان.

احدث فصول هذا التوتر، او بالاحرى التأزم، وقع اليوم السبت عندما قررت السلطات الهولندية الغاء تجمع لحزب العدالة والتنمية في مدينة روتردام، ومنع طائرة السيد مولود جاويش اوغلو من الهبوط في مطار امستردام لالقاء كلمة في هذا التجمع، وسحبت تصريح هبوط طائرته بعد اصراره على المضي قدما في الزيارة رغما عنها، واستدعت السفير التركي احتجاجا.

الرئيس اردوغان صب جام غضبه على هولندا ووصفها بالدولة الفاشية، واتباع ممارسات “النازية” وهددها بعقوبات ملمحا الى اغلاق ابواب تركيا في وجه الطائرات والمسؤولين الهولنديين وليس الشعب.

الازمة نفسها، ولغة التهديد نفسها، وقعت في المانيا، ولكن السيدة انجيلا ميركل تحلت بأعلى درجات ضبط النفس، ورفضت الرد على تصريحات الرئيس اردوغان الغاضبة، لكن دولا اوروبية اخرى مثل سويسرا والنمسا تضامنت مع هولندا، وقررت الغاء تجمعات مماثلة في عواصمها لمؤيدي الرئيس اردوغان، واغلقت مطاراتها في وجه طائرة السيد اوغلو.

الاوروبيون يبررون الغاء هذه التجمعات بالحفاظ على امنهم، ومنع حدوث صدامات دموية بين انصار الرئيس اردوغان وخصومه، معظم هؤلاء من المواطنين الالمان والهولنديين من اصول كردية، ولا يعارضون الرئيس اردوغان فقط، وانما الصلاحيات الكبرى التي يريد تكريسها في يديه في النظام الرئاسي الجديد الذي سيفتتي الاتراك حوله.

في المانيا، حوالي ثلاثة ملايين تركي معظمهم يحملون الجنسية الالمانية، اما هولندا فيوحد فيها اكثر من 400 الف تركي يحملون الجنسية الهولندية ايضا، ويواجه هؤلاء حملة عنصرية ضارية من قبل احزاب يمينية متطرفة، حيث تتصاعد حدة “الاسلاموفوبيا” المعادية للمسلمين عموما.

ويصعب على الكثيرين، ونحن من بينهم، فهم اصرار الرئيس اردوغان على اقامة مثل هذه التجمعات، وارسال وزراء في حكومته لالقاء كلمات فيها دون التشاور مع الحكومات المعنية مسبقا، ومحاولة تفهم اعتباراتها الامنية، وهو يدرك ان الجالية التركية، مثل تركيا نفسها، تشهد انقسامات سياسية حادة حول مسألة تغيير نظام الحكم الى “جمهوري”، الى جانب انقسامات طائفية وعرقية اخرى.

الرئيس اردوغان يطبق في تركيا احكاما عرفية، ويحكم البلاد بمقتضى قانون الطوارىء الذي بدأ في تطبيقه منذ تموز (يوليو) الماضي، بعد حدوث الانقلاب العسكري الفاشل الذي كان يريد الاطاحة بحكومته.

بمقتضى هذا القانون جرى اعتقال اكثر من خمسين الف شخص، وطرد مئة الف آخرين من وظائفهم، بما في ذلك قضاة واعداد كبيرة من الاكاديميين والمدرسين وضباط في القوات المسلحة بحجة تورطهم او تعاطفهم مع الانقلابيين، والداعية التركي فتح الله غولن، المتهم الاول بدعمهم.

الرئيس اردوغان يستطيع ان يفرض هذا القانون في تركيا، وان يعتقل المعارضين بما في ذلك البرلمانيين، ويغلق الصحف ويكمم الافواه، ولكنه لا يستيطع ان يفرضه في دول اوروبية لم تعد تكن له، وحزبه، الكثير من الود بعد فتح بوابات الهجرة على مصراعيها الى بلدانهم، واستخدام المهاجرين كورقة مساومة وابتزاز للاتحاد الاوروبي للحصول على ستة مليارات دولار، واعفاء المواطنين الاتراك من تأشيرة الدخول الى البلدان الاوروبية.

هذا التأزيم في العلاقات مع اوروبا، ولاسباب “خطابية” و”حزبية” بحتة، يضر بتركيا ومواطنيها اكثر ما يلحق الضرر بالدول الاوروبية، مثلما يفاقم من الازمة الاقتصادية التركية، حيث يؤكد الكثير من الخبراء ان الاقتصاد التركي بات على حافة الانهيار.

من الصعب فهم هذا التصعيد من قبل الرئيس اردوغان ضد جرانه الاوروبيين، وهو الذي يعرف مخاطره ونتائجه السلبية على بلاده، اللهم الا اذا كان بدأ يدرك جيدا ان فرص فوزه في الاستفتاء المقبل باتت تتراجع، وان اصوات الاتراك في اوروبا لن تصب في معظمها في مصلحته.

تصرفات الرئيس اردوغان هذه ليس فقط في اوروبا، وانما في سورية ومنطقة الشرق الاوسط برمتها، توحي بالارتباك، بل وربما بالجنون، فالعلاقات التركية مع معظم دول الجوار المباشر مثل العراق وسورية وايران واليونان وبلغاريا وارمينيا متوترة جدا، وها هو هذا التوتر يمتد الى اوروبا، حيث تصل قيمة التبادل التجاري مع المانيا الداعم الاكبر لتركية حوالي 36 مليار دولار تليها هولندا ثم النمسا.

نعيد التذكير للمرة العاشرة بالمثل الانكليزي الذي يقول انه اذا وقعت في حفره فان اول شيء يجب ان تفعله هو ان تتوقف عن الحفر، ولكن يبدو ان الحفرة التي وقع فيها الرئيس اردوغان عميقة جدا، ومع ذلك مستمرا، بل ويبدو مصرا على الحفر، والمزيد منه، بحيث باتت فرص نجاته محدودة، ان لم تكن معدومة كليا.

“راي اليوم”