معن بشور: خواطر لبنانية

maan-bashour55

معن بشور

1- تفكيك مفاعل ام تفكيك مشروع؟!

        دعوة امين عام حزب الله السيد حسن نصر الله الكيان الصهيوني إلى تفكيك مفاعل ديمونة النووي كي لا تتحول القوة النووية الصهيونية من قوة بيدها إلى قوة عليها، لا تكتسب مصداقيتها من مجرد انها صدرت عن قائد إذا وعد صدق فحسب، ولا من حقيقة تأتي بعد دعوة سابقة لتفريغ العدو لميناء حيفا من خزانات “المونيا” بعد انذار قائد المقاومة اللبنانية فقط وهو ما تفعله تل ابيب الان ،بل انها أيضاً تأتي في سياق تبدل متدرج في موازين القوى  بين الكيان الصهيوني وبين قوى المقاومة في الشمال (حزب الله) والجنوب (المقاومة الفلسطينية في غزة)، وفي الوسط حيث شباب فلسطين وشاباتها مستمرون في انتفاضة بدأوها قبل 15 شهراً

        وليس من قبيل الصدفة أيضاً ان تأتي دعوة نصر الله، فيما كان ترامب ونتنياهو يعلنان في واشنطن  نعي “عملية السلام” بين الفلسطينيين والاسرائيليين ،وتحويلها إلى مجرد عملية تفاوض من اجل التفاوض، بل انها تأتي في سياق اعلان ترامب ان “اسرائيل” تواجه تهديدات امنية جدية،وقراره بتحذير الاميركيين من السفر الى  لبنان بكل ما يتضمنه هذا القرار من ايحاءات وضغوط..

        ولا أخال احدا من المتابعين  الا ويدرك ان الترسانة النووية التي يمتلكها العدو هي احد اهم ركائز مشروع تفوقه الاستراتيجي على امتنا العربية والاسلامية، وبالتالي فان تفكيكها لا بد ان يقود إلى تفكيك المشروع الصهيوني نفسه، كمشروع هيمنة وتفتيت لامتنا ، وبالتالي إلى تفكيك الكيان الصهيوني ذاته الذي لم ولن تنجح كل مشاريع التدمير والتفتيت في  الجزائر(عام 1991)والعراق (عام 2003) وسوريا واليمن وليبيا(عام 2011)والمحاولات  المستمرةلاضعاف مصر ،في انقاذ هذا الكيان من مصير الأفول المحتوم ولو بعد حين.

        فهل نفهم الان لماذا تشن الحرب بكل اشكالها على المقاومة في لبنان وفلسطين، وقبلهما في العراق ، بل لماذا العمل على تدمير سوريا شعبا ودولة، مجتمعاً وجيشاً ، خياراً ومواقف….؟ّ

2- شهادة في رجل كبير

          تذكرت وأنا أشاهد الحديث مع الرئيس العماد إميل لحود على قناة “الميادين”، كلمة كنت ارددها دائما كلما سألني صديق أو غير صديق ” لماذا تصر على زيارة الرئيس لحود مرة كل شهر، وهو لم يعد رئيساً وهناك حملة شرسة ضده”، كان جوابي للجميع : ” لأنه رئيس مستقيم يحترم نفسه، يلتزم بمبادئ ، يعيش قناعاته.”

          فمنذ معرفتنا بالرئيس لحود، قبل التعرف إليه، في أواخر السبعينات، ونحن نلاحظ أن الرجل أمين للمبادئ التي ورثها عن والده اللواء جميل لحود، وهي المبادئ التي حالت بين الراحل الكبير وبين قيادة الجيش ورئاسة الجمهورية لأكثر من مرة….

          واذكر انه في أواسط الثمانينات، ولدى الحديث عن تعيين قائد جديد للجيش، قلنا، رفيقي بشارة مرهج وانا للرئيسين الشهيد رشيد كرامي والضمير سليم الحص:” نحن نعتقد ان لحود افضل الاسماء المطروحة. بل انه حتى لو لم يكن مطلوباً ان يكون القائد مارونياً، فلحود جدير بها، وانه حتى لو لم يكن عسكرياً فلحود جدير بها”.

          سبق العماد عون آنذاك الرئيس لحود إلى قيادة الجيش، ليسبقه فيما بعد العماد لحود إلى رئاسة البلاد، فكان تناوب جميل بين رجلين تجمعهما الاستقامة  أياً كان خلاف البعض مع أي منهما.

          صحيح ان في عهد الرئيس لحود، كما في أي عهد، اخطاء بعضها جسيم، وهو يتحدث عنها بكل شفافية وصدق، لكن في عهد لحود انجز لبنان استحقاقات هامة اولها دحر الاحتلال الصهيوني عام 2000، ثم ردع العدوان عام 2006، وفي كلا الاستحقاقين دور بارز للرئيس لحود فيهما جنباً إلى جنب مع المقاومة والشعب والجيش…

          يكفي ان نذكر له رفضه مع وزير الداخلية آنذاك بشارة مرهج اطلاق النار على انصار المقاومة المتظاهرين تحت جسر المطار (الغبيري) في 13/3/1993 احتجاجاً على اتفاقية اوسلو.

          في عهد الرئيس لحود عاش لبنان استقراراً مديداً، رغم محاولة قوى الغلو والتطرف والتوحش تخريبه في جبال الضنية مع نهاية العام 1999، وما كان ذلك ليتم لولا  شجاعة الرئيس ومبادراته من جهة، ونجاحه مع مساعديه في انجاز تنسيق عال مع القياة السورية على قاعدة لا  يجيدها الا من يحترم نفسه ويحرص، على استقلالية قراره مع ادراكه السليم بأهمية التعاون بين لبنان وسوريا الذي اقره اتفاق الطائف عام 1989ن وكرسته معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق مع سوريا عام 1991، وكلاهما تم اقرارهما قبل ان يصبح العماد لحود رئيساً أو حتى قائدا للجيش، ابان التوقيع على اتفاق الطائف.

          في عهد الرئيس لحود، كان الحس الاجتماعي عنده، كما عند والده، عالياً، فقد  أصر على التعامل، وهو قائد للجيش، مع التحركات المطلبية والعمالية بكل رقي وروح حوارية عالية، وكان يرفض صدور قوانين تنعكس سلباً على الاوضاع الاجتماعية في البلاد، وكانت له وقفة مشهودة في مجلس الوزراء عام 2000 اثناء طرح مشروع قانون للايجار يبقى افضل بكثير من القانون الذي اقره مجلس النواب مؤخراً والذي يتطلع مئات الالاف من اللبنانيين إلى الرئيس عون لرده إلى مجلس النواب…

          لم تكن مواقفه العربية أقل جرأة وشجاعة من مواقفه اللبنانية، خصوصاً عشية الحرب على العراق حيث وقف مع الرئيس بشار الاسد الوقفة القومية الصارخة في قمة شرم الشيخ في شباط/ فبراير 2003، وهو ما دفعنا يومها إلى تنظيم مسيرة ”الكرامة والوفاء” إلى بعبدا ودمشق في 9/3/2003 وضمت اكثر من 150 الف لبناني وفلسطيني (بعضهم لم يكن قادراً على زيارة دمشق منذ عقود) ورأسها آنذاك رئيس السن في مجلس النواب اللبناني الكبير الشيخ قبلان عيسى الخوري.

          كذلك كانت وقفة الرئيس لحود في قمة بيروت العربية في شهر آذار/ مارس 2002، حين أصر على ادراج بند حول حق العودة على مبادرة الامير (أنذاك) عبد الله بن عبد العزيز (رحمه الله)، كما كانت وقفاته في قمم الخرطوم  (2005) والرياض (2006) حين رفض الالتفاف على هذا البند بضغط امريكي وعربي  معروف، وحين اصر على ادراج بند في الببان الختامي يتضمن  دعم المقاومة في لبنان.

          كل هذه المواقف، وهي بعض مواقفه، كانت وراء التحامل عليه أو الحملة ضده، ومحاولة الصاق تهمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري (رحمه الله) به وبابرز معاونيه، في محاولة مكشوفة للنيل منه، ولارهاب أي رئيس آخر يحاول ان يسلك سلوكه….

          لهذه الاسباب، بقيت مع اخواني مصرا على زيارته كل شهر، احتراماً لمواقفه، وتقديراً لشجاعته واعتزازاً بوفائه واستقلاليته.

          اطال الله في عمر الرئيس العماد اميل لحود….

3- هل بدا لبنان يستعيد دوره العربي

من تابع تصريحات وخطب الرئيس ميشال عون في مصر والاردن احس بان لبنان قد بدأ يستعيد دوره في الحياة العربية كجسر للتضامن بين العرب، وكمدافع عن القضايا العربية العادلة ،وفي مقدمها قضية فلسطين، في تاكيد ان لبنان حين يستعيد عافيته يبدا في استعادة دور بين اشقائه لا يستطيع غيره ان يضطلع به.

ان الخطاب العربي المقاوم للرئيس اللبناني سيكون له اثر  بالغ في معالجة حال الانقسام والاحتراب السائد بين العرب، كما في اعادة تسليط الاضواء على الخطر الصهيوني ،لا سيما في القدس، في ظل سياسات رسمية عربية تتراوح بين العجز والتخاذل والتواطؤ….

اللبنانيون الذين بقوا على مدى عقود امناء على دور لبنان النهضوي ورسالته العربية يستبشرون  خيرا بمواقف رئيسهم وخياراته، ويحذرون من محاولات المتضررين من هذه المواقف في الداخل والخارج، الساعين الى الانقضاض  عليها ،وعلى صاحبها ،كما كان الامر في حالات سابقة حين جرى مع العمل لشيطنة الرئيس المقاوم العماد اميل لحود.كما جرى العمل لمنع  الوزير الضليع بمخاطر الصهيونية على لبنان والمنطقة ،ميشال ادة، من الوصول الى سدة الرئاسة عام 2007.

ولكن ظروف اليوم ،المحلية والاقليمية والدولية ،مختلفة تماما عما كانت عليه خلال العقد الاول من القرن الحالي ،بما يؤكد ان خيارات الرئيس عون ليست وطنية وقومية فحسب ،بل هي تعكس ايضا بعد نظر استراتيجي يبقى ضمانة لبنان وحصانته في مواجهة ما يحيطه من زلازل وحرائق وعواصف…

4- لبنان يتسع للجميع

أن يحيي اليوم تيار المستقبل ومحبو الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذكرى (12) لاستشهاده، وأن يحيي حزب الله والملتزمون نهج المقاومة ذكرى استشهاد “سادة النصر”، الشيخ راغب حرب، والسيد عباس الموسوي، والحاج عماد مغنية، وأن تحيي كل جماعة لبنانية على امتداد العام والوطن ذكرى شهدائها، فلذلك معنى واحد، أن لبنان يتسع للجميع… وأن أي محاولة لإلغاء أي مكوّن اجتماعي أو سياسي، أو إقصائه لم تأت على لبنان، كما على كل قطر عربي، إلاّ بالويلات والشهداء قادة وافرادا ومواطنين.

في هذه الأيام، تبرز أمام كل اللبنانيين مسألتان: أولهما أن يكف بعضهم عن التحريض على بعضهم الآخر، سواء كان سبب التحريض مكاسب ذاتية ضيقة، أو كان وراءه أيد خارجية تريد الاستمرار في إشعال الحرائق في لبنان والمنطقة.

وثانيهما أن يحرص المشرّع اللبناني، كما أهل الحل والربط، في كل قوانينهم، وأهمها قانون الانتخاب، على ما يضمن وجود الجميع، جماعات وتيارات وقوى سياسية، بما يتناسب مع حجمه الحقيقي، وهو ما لا يوفره إلاّ قانون يعتمد النسبية على مستوى لبنان كدائرة انتخابية واحدة، أو على مستوى دوائر موسّعة تراعي كل الخصوصيات.

بهذه الروح نكون قد اعطينا شهداءنا، كل شهدائنا ،حقهم.