مغرب السيبة ومغرب المخزن

MOULAY-BAHTAT77 (1)

مولاي التهامي بهطاط

مضى أكثر من قرن على تدشين مرحلة الحماية..

ومرت أكثر من ستة عقود على حصول المغرب على استقلاله..

لكن هل طويت صفحة وفتحت أخرى؟

أظن أن من يقرأ الأجزاء المنسية من تاريخ المغرب خاصة في نهاية القرن 19 وبداية القرن 20 سيلمس الكثير من أوجه التشابه بين مغرب ذلك الزمن ومغرب اليوم.. مع فوارق بسيطة..

لقد صنف مؤرخو ومنظرو الاحتلال يومها المغرب عدة تصنيفات..

المغرب النافع والمغرب غير النافع..

بلاد المخزن.. وبلاد السيبة..

ورغم عدم تسليم كثير من الباحثين والمهتمين بهذه التقسيمات واعتبارها مجرد محاولات لتبرير الاحتلال وتكريس وجوده.. إلا أن جولة عابرة في تلك الصفحات المنسية تحيل أحيانا إلى الاعتقاد بأن بعض مشاهد ومظاهر الماضي نجحت في التسلل إلى الحاضر.. وربما حجزت مقعدها مبكرا في المستقبل..

فاليوم هناك مغرب نافع ومنتفع حصل ويحصل على كل شيء .. ولم يتبق من مغربيته سوى أسماء سكانه وملامحهم وسحناتهم التي لا يمكن تغييرها .. شعب مقيم في المارينات العائمة .. والمجمعات السكنية المنعزلة عن التاريخ والمحصنة ضد الجغرافيا..

وهناك مغرب غير نافع وغير منتفع لا يتم تذكره إلا عندما تحل به كارثة طبيعية حيث تسبق كاميرات التلفزة سيارات الإسعاف لتوثق “الجهود المبذولة”.. أما الكوارث الناجمة عن فعل البشر.. فكل احتجاج عليها يقابل بالعصا..

وهناك مغرب عميق .. مدفون في قعر “الخابية” لا يعرفه أحد ولا يسمع عنه أحد.. ولا يتذكره أحد حتى لو غمرته الفيضانات أو داهمه الجراد..ولو أن الجراد الآدمي لم يترك للجراد الحشري ما يسد به رمقه..

وهناك أيضا .. بلاد المخزن.. أي الواجهة التي يتم تزيينها وتلميعها وتنظيفها .. وتقديمها للضيوف الأجانب مع التمر والحليب..

وتقابلها بلاد السيبة .. أي الفناء الخلفي الذي تلقى فيه النفايات وتغيب فيه سطوة الدولة.. ويأكل سكانه بعضهم بعضا..

الشيء الوحيد الذي تغير في هذا التقسيم .. أنه بينما تنقل كاميرا “المخزن” الصور الملونة للواجهة.. تنقل كاميرا “السيبة” (الفيسبوك) صور المعاناة والانفلات الأمني والفقر والجوع والتخلف ..

إنها مفارقة بين مغربين بينهما سور “باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب” ..

لكن المقارنة لا تقف عند هذا الحد..

ففي مغرب ما قبل الحماية كانت هناك تقسيمات أخرى.. تخص البشر هذه المرة..

لا أقصد على المستوى العرق أو اللون أو اللغة أو الدين..

بل على مستوى “الولاء والإخلاص”..

في وقت من الأوقات كانت مناصب القيادة المحلية تشترى بالمال.. تماما كما كانت ألقاب الباشوية والبهوية تباع في مصر..

لكن عندما يغضب “المخزن” على أحد هؤلاء كان يعزله ويصادر أمواله وينفيه من الأرض .. التي لن تتسع له على كل حال..

الرضى والغضب إذاً، كانا مرتبطين دائما بالمال.. والثروة.. ورجال الدولة كانوا هم الجباة وهم محصلو مستحقات الخزينة العامة.. وتلك هي كلمة السر في تلك المرحلة..

نقرأ في رسالة أحد سلطويي القرن 19 ( القائد اللنطي التسولي) موجهة إلى السلطان الحسن الأول..

“قبيلة تسول (بين فاس وتازة) كثرت زروعهم ومواشيهم واستغلظوا وصاروا كالغابة التي لا يَرِد عليها أحد، فتكبر فيها السباع والوحوش.. كذلك قبيلتنا في هذه الساعة يجب تعشيبها (تشذيبها) ليظهر ما بداخلها من الوحوش بسهولة.. فنطلب من مولانا أن يساعدنا في توجيه المدد السعيد لأن الدين لا يقوم إلا به وهذا إبانه..”

أهم ما في هذه الرسالة أن “التعشيب” أي التشذيب ضروري، لتظهر الوحوش بسهولة حتى يسهل اقتناصها أو إبعادها..

هذه الرسالة كتبت سنة 1884 م، لكنها تنطبق ولو جزئيا على الواقع الحالي..

فغابة السياسة اليوم كبرت وحوشها وسباعها..

ولو قدر للقائد التسولي العودة لكتب مجددا أن الحاجة إلى “التعشيب” باتت ملحة..

لكن المشكلة في من توكل إليه مهمة “التعشيب”..

ومن يستطيع اليوم أن يخاطر بالتجول في “الغابة” دون أن يتعرض للهجوم، ليس من “الوحوش” و”السباع″ المعروفة.. بل من الكائنات “الافتراضية” التي تناسلت في مواقع التواصل الاجتماعي..

***

مثالان للتوضيح..

– قبل شهور تجرأ حزب “التقدم والاشتراكية” الذي صالح في الماضي القريب بين الشيوعية والباشوية والبهوية وفتح المجال للإقطاعيين لقيادة ثورة البروليتاريا.. بيانا رد فيه صراحة على ما جاء في بلاغ للديوان الملكي ..

كانت تلك سابقة.. وكان ضروريا أن تكون فاتحة لما يأتي من بعد..

فلأول مرة يقدم حزب “مرخص له” ومشارك في الحكومة على قول “لا”.. وبصوت مرتفع .. وببلاغ حزبي رسمي.. في وقت كانت فيه كثير من الجهات الرسمية تدبج النعي السياسي لأمينه العام الحاج بن عبد الله….

– لاحقا حمل شباط و”من معه” المشعل لخوض المعركة التالية..

الدولة بكل أجهزتها وإعلامها وقضها وقضيضها.. لم تستطع ممارسة “التعشيب” في حق شباط الذي صنعته بأيديها..

الطيب الفاسي المستشار.. أطل في النهاية على من تبقى من مشاهدي القناة الأولى ليشارك في إطلاق الرصاص على شباط الذي قطع مسلسل توارث قيادة الحزب العتيد اعتمادا على “الحالة المدنية”..

في مواقع التواصل الاجتماعي السؤال الوحيد الذي ظل يرن منذ تلك الخرجة – رغم أن اللحظة كانت لحظة انتصار وفرح بإنجاز على المستوى القاري- هو : هل تكلم المستشار الفاسي بصفته الوظيفية أم بصفته العائلية؟

الجواب هنا ضروري .. لأن شباط أطل لاحقا على العالم من قناة فرنسية ليخرج لسانه للجميع ويتحدى الجميع ..

وليؤكد أن زمن “التعشيب” مضى وانقضى..

والأهم أن يدرك مهندسو المرحلة هذه الحقيقة قبل فوات الأوان..

كاتب مغربي