خليل سعيد: صقيع الهروب.. رسالة مهاجر لأخيه الصغير

khalil-said1.jpg5551-340x300

خليل سعيد

أخي الصغير،

أبعث إليك بكلماتي من أرض الأيام فيها صقيع لا ينافسه صقيع الطبيعة في برودته، والطبيعة البشريّة فيها مهما حملت من رحمة عاجزة أن تدفئ القلوب الغريبة عنها. أناديك قبل أن تطأ قدمك البحر وتنطلق معركتك المهينة ضد الأسماك التي لا تغادر بحارها بإرادتها يوما،أشاطرك خلاصات حكاية الطفل الذي يسكن داخلي حاملا حلمه في أن يجد عنوان بالحياة يوما، والشّاب الذي باتت تحرق أيامه نظرات الريبة في كلّ مكان وتتعود نفسه من جديد أن تهان، مع فرق أنها لا تملك أن تنتقد واقعها على أرض هي وأهلها ليسا بسيّان. أخاطبك قبل أن تركب نفس المركب حاملا أحلامك البسيطة وأوهامك الصغيرة وبراءتك التي اغتصبتها قساوة الوطن فقّررت الهروب بألمها بعيدا حيث لا يعرفها أحد.

لقد مررت من نفس مكانك يوما، وأعلم أنّ نفسك باتت لا تحلم إلّا بالهروب. أعلم انهم في الوطن يتّخذون من الإمعان في الإذلال وسيلة لكسر القلوب و وأد الجزء الحيّ من كرامتها، و يعتمدون صناعة الجهل أسلوب حكامة وإشاعة الميوعة صيغة حضارة وإنتاج التفاهة إبداعا يحتفى به، ثمّ يفرضون عليك أن تجعل من الواقع هذا أساسا لبناء أحلامك ومطامحك، فإمّا الرضى بالمنظومة لتحيا بقواعدها آملا أن تصير يوما من أسياد التّافهين ولو على الأقل نفسك، وإمّا أن ترفض إعلان موت ضميرك فتعيش به معاقا عاجزا عن استيعاب قدرة العالم على الحراك…أعلم أنه بالنسبة لمن جاؤوا مثلنا للعالم في أسر باعت نفسها تلقائيّا مقابل حياة بأقلّ قدر ممكن من المشاكل والمطامح، القرار هيّن متوارث، الرضى بالمقسوم مفتاح العيش السّعيد والأمل في الرّغد والعدل مؤجّل لدار الحقّ عند العدل، والخروج عن السّنة هذه توجّه نحو مجهول قد لا تحمد عقباه.

أخي الصغير…أعلم أنّ روحك باتت ترفض مشاركة المكان والزّمان مع من يدّعي الحرّية وهو في مستنقع العبودية قابع، ومن لفّ على عينيه الغشاوة كي لا يرى القيود ليديه مكبّلة، من يرفضالاستيقاظ من وهمه ليجد نفسه وإيقاظ ضميره الحرّ بالفطرة ليكسر أغلال الرّق الذي ألفه وفرض عليه.  ولكنك لا تعلم أنّ الهروب عند الغير جبن ستحمله على جبين روحك عارا مدى الحياة، قد يمنحنك لحظات حياة أفضل، ولكنه لن يلملم يوما جراح قلبك التي ستظل مفتوحة  للأبد، توجعك وانت غارق في فشل فهم الغير وطباعهم، وتتسع مع اتساعاستثمارك لأيّام حياتك في محاولات إخفاء اختلافعنهملا يزول قطّ، وتؤدي كرامتك مع كلّ موقف تحس فيه أنك لست أنت، تحمل هوية لا تتناسق مع شكلك ولغة عواطفك.

أخي الصغير، قد يكون الوطن غير قادر اليوم على وهبك من الكرامة ما يروي تعطّش قلبك الفطري لها، وقد تكون أراضي الغير مصانع كرامة للجميع، لكنك لن تجد فيها يوما الوطن الحضن كما رسمته وأنت في سنوات دراستك الأولى على صدرك، لن تجد الوطن الذي عشقته في بسمة البسطاء تصدر عالية لتكسر صمت معاناتهم في الصراع مع لقمة العيش، ولمحته في عيون والدتنا وهي توقظك كلّ صباح دراسي مع أنها تعلم أنّ ابن الجيران لم تنفعه شواهده يوما في شراء أدوية أمه المريضة، وفي إصرار والدنا على أنّ الحفر التي تملأ يداه من قساوة العمل اليدوي هي إرث قوّة أسري مع أنه لم يرث غير العوز الذي يحاول بيديه أن يحمينا من جوره، لن تجد يوما الوطن الذي يظل ملكنا بكلّ مشاكله، قلوب أهله تتحدث نفس لغة قلوبنا في فرحها وكربها، ووجوههم تجعل وجوهنا طبيعية كغيرها أينما حلت لا يفصل بينها الّا سمات العزّ والحاجة.

أخي الصغير، لقد فقدت في عجزي عن فهم حاجات نفسي الحقيقية وصياغة قرارات معاركي في حياة قاسية وتبني الهروب حلا أمام حياة وطن ساديّة، كلّ المشاعر الجميلة بالانتماء التي كان يحملها فؤادي، لتعوضها أحاسيس الرضى المفروض بغربة كريمة. ولك مني وفاءا للغرفة الصغيرة التي جمعتنا يوما أن أتحمل صقيع حياة الغريب مقابل أن يدفئ قلبك في وطنه شرط أن تنقده من الموت، اجعله أخي يتنفس الحرّية مجدّدا ويبني كرامة لنفسه على أرض هي ملكه وإن كانت بيد غيره، اجعله يصيح بأعلى صوته رافضا لإقصائه وللخضوع المهين لكرامته، اجعل رسالته الدّفاع عن الحقّ الذي وحده يبني كرامة الأوطان، فإن اشتدّ عليك الحال بجفاء الوطن مقابلة لمحبتك اصبر لعلّته فمصيره يوما أن يثوب على يد إصرارك على الحياة، وتأكّد أنّ الكرامة وحدها لا تبني وطنا لكن بناء الكرامة على أرض وطن حقّ مشروع نعم الحياة هي حتى لو استثمرت فقط في محاولة البناء هذه.

khalil.said.ad@gmail.com