رياض سيف: رأي فى “جريمة رام الله”

riyad-seif77

رياض سيف

فى الوقت الذي حققت فيه فلسطين بمبدعيها وكتابها انتصارات ساحقة على مستوى الرواية العربية ممثلة فى حصول رواية راكب الريح لمؤلفها الروائي الكبير يحي يخلف ورواية ارواح كلبمنجارو لكاتبها الروائي المبدع ابراهيم نصر الله على جائزة كتارا للرواية العربيه .وبنفس الانتصار والفوز حققت رواية الروائي الفلسطيني ربعي المدهون ( مصائر: كونشيرتو الهولكست والنكبه ) جائزة البوكر العالمية للرواية العربيه.. وفى الوقت الذي غفلت فيه كثير من الاوساط الادبية والثقافيه هذا العنفوان الفلسطيني فى العطاء والابداع ..نشطت تلك الاوساط فى متابعة رواية ظهرت صدفة بأسم (جريمة فى رام الله )..

ومع قرار النائب العام بمصادرة ومنع رواية ( جريمة فى رام الله ) لكاتبها يحي عباد ,كثر الحديث عن الرواية,بما لم يحدث لرواية فلسطينية من قبل . وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي الاراء سواء كان مع اوضد او ضد مع عدم المنع دعما لحرية الكلمة وتأكيدا لديمقراطية الحرف , وساهمت كل التعليقات والمناوشات والاراء الى وضع الرواية فى زاوية (كل ممنوع مرغوب ) .ومن هذا الجانب كان عليّ كقارئ ان اطلِع على الرواية اولا قبل ان اقرر رأيا حتى ولو لنفسي . ولعل بيان وزارة الثقافة الفلسطينيه المتوازن بتأكيدها ان الإستعانة بآراء النقاد وذوي الإختصاص يشكّل من وجهة نظر الوزارة مدخلاً حكيمًا لمعالجة هذه المسألة بشكلٍ موضوعيٍ ومهني لا يتعارض مع مبدأ حرية الرأي والتعبير من جهة، ولا يتعارض مع اللوائح والأنظمة والقوانين ذات العلاقة من جهة اخرى) خطوة منصفة لوضع الامور فى نصابها …

وعليه ومن خلال قراءتى للرواية استطعت ان احدد فصولا ثلات تبدأ بدنيا تلك الفتاة التى صادفها الكاتب فى السيارة ولمدة دقائق معدودة من جامعة بير زيت الى رام الله لتنتهى المصادفة عند هذا الحد وتترك فى نفسه اثرا غير في مسار حياته , مرورا برؤوف ونور وما لازم تلك العلاقة من انحراف فى مسار حياته , وصولا الى وسام وجريمة رام الله ..

فى الفصل الاول ( دنيا) اخذنا الكاتب الى افاق رحبة اسقط فيها تجربته كشاب فلسطيني معبرا عن زمنه ومرحلته , مرحلة يعتصر فيها الشاب الفلسطيني الامه وجراحه واحلامه فى زمن مابعد الانتفاضة ,ناقلا لنا بأبداع كل ما يجول فى الخاطر وما يقع على الارض من علاقات وارهاصات بوصف مبدع ومتمكن حتى اذا ما وصل به الامر الانسلاخ عن كل ما يحيط به , متمردا على ذكرى واثر دنيا في حياته بنسيانها او نكرانها ..انتقل بنا الى فصل جديد مختلف تماما عن مابدأه منحرفا به الى هاوية سحيقه من البذاءة وقلة الذوق في وصفه لمواقف مع نفسه ومع رؤوف , تثير القرف وتبعث فى النفس الاشمئزاز , كونه استمرأ الابتذال وانساق فى وصف علاقة مبتذلة الى درجة التقيؤ ..وكأننا بهذا امام كاتب اخر غير الذي قرأناه فى البدايات . ولا أدري ما الذي جعل الكاتب ان ينتقل هذه النقلة الشاذة والبذيئه بل الصدئة النتنه التى تصيب النفس بالقرف من الكاتب ومما كتب .. وان كنت ارى بحرية التعبير لكني هنا ارى ان هذا ليس تعبيرا بل

هرطقة شاذ يحتاج الى علاج , بل وحجر كونه يلوث الادب ويتلهى بالثقافة لاغراضه واناته المليئة بالقئ والصديد …

ومن هذا الجو الملطخ بكل عبارات الشذوذ ينتقل بنا الكاتب الى الجريمة التى وقعت فى اواخر الليل امام خمارة ابو وليم ..لينقلنا الى اجواء غير مفهومه او مهضومه عن الجريمه فى سياق هو ابعد ما يكون عن سياق فن الرواية الى لخبطات وتحاويم كتبت فى ضبابية لتنتهى الامور الى جسد يتدلى من شجرة الجوز العتيقه ..

ولو كنت مكان الكاتب لواصلت الابداع فيما بدأته انتهاء بدنيا ونكرانها انتقالا الى الجريمة حذفا لما ورد فى وسط الرواية من عهر وبذاءة , لاكون انا ككاتب من ارتكب الجريمة , اما القتيلة فهي دنيا التى اشعلت ليل ونهار الكاتب وغيرت مسار حياته , حتى اذا ما التقيا صدفة وكانت برفقة اخر , تداعت فى نفس الكاتب كل مبررات الجريمه , لكونها عاشت فى ذاته ودمه واوقف حياته وانتصاراته وهزائمه وشكلت لحظات عمره لوهم لقائها مرة اخرى ليتفاجأ ان كل ما كان يوقف حياته من اجلها كان وهما متلثه دنيا التى كانت لغيره وهو يظنها لنفسه .واظنها ستكون رواية فلسفية متكاملة ترقى الى مستوى الابداع والاحتفاء بكاتب يستحق التهنئة , لا النكران والسقوط..

ما قرأته اجمالا وخاصة فى مايلي دنيا هو شائنة وسقوط للكاتب ان جاز لي ان اسميه كاتبا وما اظنه كذلك بعد ان تاه عن دنيا ودخل اتون المزبلة …

رياض سيف