د. عدلي المنصور: نعم دونالد ترمب: لا لحل الدولتين

book-with-feather-and-inkpo

د. عدلي المنصور

الى اللذين يتحسرون على حل الدولتين اليهم جميعا مقاربتي للوضع كما وردت في كتابي الممنوع من النشر ” الحضاره التائهه: قراءه استشرافيه في المستقبل العربي”

إن التاريخ السياسي للصراع العربي – الاسرائيلي يؤشر وبصراحة أن كافة الاتفاقيات المعقودة إما “اتفاقيات اذعان” بين أنظمة مهزومة واسرائيل، أو انها اتفاقيات عقدت مع أنظمة “فاقدة الشرعية” وبدون موافقة الشعوب العربية المتمترسة حول موقفها من الكيان الصهيوني، وأن كافة هذه الاتفاقيات سوف تسقط بسقوط هذه الأنظمة.

هناك ثلاث مقاربات لحل الصراع العربي- الاسرائيلي لا رابع لها، كل منها له مؤيدوه وأنصاره، وكل منها له محدداته وإمكانياته بالنجاح، ولكن العقل الراشد ذا الرؤيا هو من يلتقط الأكثر جدوى منها.

  • أولا معركة صفرية: ينتصر فيها أحد الطرفين نصرا ناجزا ونهائيا، بحيث يجبر الطرف الآخر على الاستسلام الكلي، حيث ينتصر الخير على الشر ولا تقوم له بعد ذلك قائمة، بمعنى اخر فاننا نشير الى “هرمجيدون” ونهاية العالم.

إذا قدر للنبوءة التواراتية أن تقودنا إلى نهاية العالم، فإننا نود أن نذكر اليهود أيضا بأن للعرب والمسلمين نسختهم الخاصة بهم من ” هرمجيدون ” ونهاية العالم، وفي صحيح مسلم (2922) من حديث أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: “لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي ، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ ، إِلَّا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ”

وقد أوردت مصادر الشيعة أحاديث معركة المهدي، الكبرى هذه “وأن طرفها المباشر السفياني وخلفه اليهود ودول اوروبا، ويمتد محورها من أنطاكية إلى عكا أي على طول الساحل السوري اللبناني الفلسطيني ثم إلى طبرية ودمشق والقدس وفيها تحصل هزيمتهم الكبرى الموعودة” .

في هذا المعنى فاننا نضم صوتنا إلى صوت الرئيس الأمريكي السابق ريغان في مقابلتة التلفزيونية الشهيرة عام 1980م مع المذيع الانجيلي جيم بيكر “أننا قد نكون الجيل الذي سيشهد معركة هرمجيدون ” (77)

  • ثانيا حل الدولتين: على أساس التقسيم الاقليمي لمساحة فلسطين التاريخية إلى دولتين: إسرائيل 78% حدود هزيمة 1948م، وفلسطين 22% حدود الرابع من حزيران والتعايش السلمي بينهما. وهو الحل المطروح دوليا حاليا والذي لاقى قبولا أوليا من قبل إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية كل لأسبابه الخاصة: إسرائيل تتخوف من الهاجس الديمغرافي للعنصر العربي فيها، أما منظمة التحرير الفلسطينية فترتكز دوافعها على قصر النظر العرفاتي وبهلوانيتة بالحصول على موطئ قدم في فلسطين ” كتكتيك” لتحقيق الثوابت الفلسطينية على مراحل.

عجز هذا الطرح لمدة تزيد عن عشرين عاما عن تقديم إجابات شافية لكلا الطرفين بخصوص ما اصطلح على تسميته “قضايا الوضع النهائي”: اللاجئون، القدس، الحدود، السيادة، المياه، غور الأردن، المستوطنات، تبادل الأراضي إلى آخره، بحيث أصبح هذا الخيار صعبا جدا ولا يمكن تصوره، بل أصبح مثالا واضحا لحالة الفشل السياسي للقيادة الفلسطينية وخلفها النظام الرسمي العربي الذي طرح مبادرته “الأرض مقابل السلام”، تعويضا لعدم قدرته الفاضحه عن استرجاع أرضه.

  • ثالثا حل الدولة الواحدة: دوله ديمقراطية علمانية تستعيد بها فلسطين اسمها في التاريخ والجغرافيا على كامل أرض فلسطين التاريخية الموسومة أثناء الانتداب البريطاني، مضافا إليه مجالها الحيوي في شرق الأردن وسيناء، دولة لكافة مواطنيها الحاليين، المقيمين إقامة طبيعية، ودولة مفتوحة لمن له حق العودة من اللاجئيين الفلسطينيين، ويعطي يهود العالم الأولوية في الهجرة إلى فلسطين إذا رغبوا بذلك طوعا وبدون قصر أو اكراه.

 دولة ذات جزء أصيل لا يتجزأ من النظام العربي، خاضعة لمرتكزات الأمن القومي العربي وترتيباته، مع تمتعها بوضع خاص في السيادة على أرضها ومجالها الحيوي.

 دولة يتم الاستفتاء عليها من عموم المواطنين في ما يعرف إسرائيل الحالية، والمواطنين في بقية أرض فلسطين بالاضافه الى فلسطيني الشتات، ويعتبر الاستفتاء ملزما وتودع نتائجه وتوصياته في كل من دستور الدولة المفترض، والمؤسسات الرسمية العربية والإسلامية والدولية.

صحيح أن “حل الدولتين” وهو الحل القائم على النموذج الأوروبي للدولة القومية “نموذج وستفاليا”  يعد الأسهل والمتفق عليه فلسطينيا وإسرائيليا وعربيا ودوليا، ولكن “حل الدولة الواحدة” الديمقراطية العلمانية هو الحل الذي بامكانه وضع قواعد أساسية ثابتة، يمكنها إحتواء الصراع في المستقبل، حل قادر على الإستجابة لحق الفلسطينين في العودة والتعويض وهو حق أقرته جميع الشرائع الدولية، حل قادر على الاستجابة لمتطلبات اليهود حيث ستظل أراضي فلسطين مفتوحة للهجرة والاستيطان لمن اختار طوعا وبدون إكراه فلسطين مهجرا لهم.

حل قادر على تجاوز كافة عقبات ما يسمى “بقضايا الحل النهائي” كالقدس، والغور، والأمن والسيادة، ومراكز العبور، ومصادر المياه وغيرها.

إن حل الدولة الواحدة هو حل قائم أيضا على النموذج الأوروبي، ولكن ليس على اساس “نموذج وستفاليا”،  بل على اساس “نموذج الدولة الديمقراطية الليبرالية”،  وهو النموذج المجرب سابقا وبنجاح في جنوب افريقيا، والنموذج الأحدث والأسلم الذي يقدم قواعد الانتقال الفعال للحل النهائي والسلام الدائم، على أن يفهم من ذلك بأن هذه الدولة يضمنها مؤسسات ديقراطية قوية تمتلك السلطة القانونية والادارية والقوة اللازمة والفعالة لاعمال القانون.

ان قبول العرب لحل الدولة الواحدة لا يجب ان يكون  نتيجة للحائط المسدود وتعثر المفاوضات للوصول إلى دولتين، أو للتأكيد على الطبيعة غير الديمقراطية للاحتلال العسكري والدولة اليهودية معا، بل ينبغي طرحه كحل نهائي قادر على الاستجابة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية لمشكلة عالمية اسمها “القضية اليهودية”.

 الفلسطينيين خاصة والعرب كافة عليهم ان يرتضوا طوعا أن يكونوا جزء من الحل، وليس جزء من المشكلة، وأن يصمموا عن وعي وإدراك التصدي لخطر “الأبارتهايد اليهودي الصهيوني” الزاحف.

إن حل الدولة الواحدة بحاجة إلى نضال رسمي وشعبي فلسطيني وعربي تعززه ارادة حرة ومستقلة من قبل أنظمة عربية استمدت شرعيتها من شعوبها وتفهم أوروبي وأمريكي رؤيوي، استشرافي، مساعد وضامن، وهذا يتطلب استراتيجية فلسطينية وعربية للوصول الى هذا الهدف يقع على رأس اولوياتها عمليه تموضع حضاري تتضمن عمليه سياسيه شامله عربيه ودوليه لتأهيل الدول والشعوب العربيه ،  لاحتلال موقع ضمن خارطه الحضارات في العالم الحديث لتحقيق التنميه من طرف، والقضاء على الارهاب والتطرف، وتفكيك النزاعات، وجعل السلم العالمي امرا ممكنا.

إن “التموضع الحضاري” يملك العديد من الآليات والميكانزمات اللازمة والفعالة للوصول إلى “الحل النهائي” ليس من وجهة نظر “نازية”  بل الحل النهائي من وجهة نظر عربية: حل سلمي دائم وتاريخي بآن واحد.

هذا “التموضع الحضاري” الجديد يطرح نفسه وبقوه الان “كأداة” فعالة للحل، لأنه يعبر عن تغيير نوعي في الصراع، ووضعه في حجمه الحقيقي وسياقه الحضاري إن جاز التعبير، أمام الخارطة الحضارية الجديدة المتوخاة والمنشودة والناشئة عن هذا التموضع.

إن “التموضع الحضاري” الذي نراه يطرح نفسه “كضامن” لهذه الدولة الواحدة الديمقراطية العلمانية باعتبار الغرب الأوروبي الأمريكي “العراب والأم الشرعية لهذا الكيان”شريك رئيسي وفاعل وقائد لعملية التموضع الحضاري هذه، بل أنه الذي نراه يطرح نفسه “كمحفز″ لتجاوز متلازمة أحمد الشقيري “التحرير والوحدة”،…لأن التموضع الحضاري يقدم صيغة سلمية من صيغ التحرير، وصيغة سلمية أيضا من صيغ الوحدة متناغمة مع طبيعة وأهداف هذا التموضع.