القصة الكاملة وراء تعيين سلام فياض مبعوثا أمميا إلى ليبيا.. لماذا اعترضت عليه أطراف ليبية؟ وما خلفية العرقلة الأمريكية له؟

haftar-fayad-nn

نيويورك ـ “رأي اليوم”:

أثار البيان الأمريكي المعارض لتعيين رئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض مبعوثا أمميا إلى ليبيا برتبة وكيل للأمين العام استغرابا في الأوساط الديبلوماسية لسببين اثنين على الأقل. الأول أن التعيين في المناصب العليا في الأمم المتحدة يتم وفق آلية تشاورية تسوي أي خلاف قبل خروجه للعلن، وبخاصة إذا كان مصدر هذا الخلاف دولة عظمى ودائمة العضوية في مجلس الأمن كالولايات المتحدة. أما السبب الثاني، فيتعلق بشخصية فياض نفسه الذي لطالما صُنف من قبل الإدارتين الأمريكيتين السابقتين ومن إسرائيل نفسها في خانة الأصدقاء. وهذا ما يفسر حجم ردود الفعل الأمريكية والإسرائيلية المنتقدة “للنيران الصديقة” التي أطاحت بفياض، والمنددة بتبني أمريكا وإسرائيل لموقف مشابه لمواقف حركة حماس من المسؤول الفلسطيني السابق.

لكن واقعة تعيين فياض وما لحقها من جدل ليست في الواقع – حسب معلومات حصلت عليها “رأي اليوم” – إلا تعبيرا عن حرب غير معلنة بين الأمين العام الجديد للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كان فياض ضررا جانبيا لها.

مخطط أوروبي

تقول مصادر “رأي اليوم” إن الحكاية بدأت باعتراضات شديدة أبدتها الحكومة الإيطالية لدى الأمم المتحدة على موفدها الحالي إلى ليبيا، الألماني مارتن كوبلر. وذلك بسبب ملاحظات أبداها الأخير على مشروع افتتاح روما لقنصلية لها في طبرق، مقر مجلس النواب الليبي، وكذا بسبب أدائه الذي لم يَرُق لإيطاليا وحكومات أوروبية أخرى لها مصالح حيوية في ليبيا تتوقف على إيجاد مخرج سياسي للأزمة المستفحلة في هذا البلد المغاربي. ورغم امتعاض إيطاليا من كوبلر إلا أنها لم تسم مرشحا بديلا، وتركت الأمر لغوتيريش الذي أعد قائمة أولية للمرشحين لخلافة كوبلر لم يكن فياض من ضمنها في البداية. لكن، وفي خضم الفوضى العارمة التي يشهدها البيت الأبيض حاليا، “ارتأت دول أوروبية تتقدمها بريطانيا أن تستغل انشغال ترامب باستكمال تشكيلة فريقه لتبحث عن مرشح يبقي الريادة لأوروبا في الملف الليبي الذي انتقل إليها منذ استقالة المبعوث اللبناني طارق متري. وحاول “اللوبي الأوروبي” إيجاد مرشح لا يزعج تعيينُه الأمريكيين دون أن يحتاج إلى موافقتهم القبلية، أو يحتاج في أقصى الاحتمالات تنسيقا في الحد الأدنى مع واشنطن”. وقد وجد الأوروبيون ضالتهم في وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية جيفري فيلتمان، السفير الأمريكي السابق في لبنان، الذي سارع شخصيا إلى اقتراح فياض بعد مشاورات سريعة مع جهات أوروبية وليبية وأقنع غوتيريس بأن الأمريكيين ليس لديهم أي تحفظات عليه. وتقول مصادر “رأي اليوم” إن إدارة أوباما التي يعتبر فيلتمان أحد عناصرها كانت تبحث منذ مدة عن منصب دولي رفيع لفياض يعيده إلى الواجهة السياسية ويهيئه لخلافة الرئيس محمود عباس على رأس السلطة الفلسطينية. لذلك لم يتأخر فيلتمان في اقتراحه عندما ناقش معه الأوربيون موضوع خلافة كوبلر في ليبيا”.

اعتراضات ليبية

ولاقى الترشيح ترحيبا فوريا من قبل الأوروبيين بالنظر إلى وزن فياض وتاريخه السياسي وخبرته الكبيرة في المؤسسات المالية الدولية. إلى ذلك يعمل فياض منذ شهور كمستشار لدى حكومة فايز السراج ضمن مشروع تموله بريطانيا لدعم الحكومة الليبية المعترف بها دوليا، ما يجعله وفق منطق من رشحوه مُلما بما يجري في ليبيا. كما أن خبرة فياض في البنك والصندوق الدوليين وفي إصلاح مؤسسات السلطة الفلسطينية يجعله أقرب للمزاج الأوروبي في ليبيا والذي يميل إلى التقليل من شأن الاتفاقات السياسية ويجنح إلى تقوية مؤسسات حكومة السراج لتصبج شريكا لأوروبا (وربما للناتو) في محاربة تدفق اللاجئين والهجرة غير الشرعية والإرهاب.

 غير أن علاقة فياض الاستشارية بحكومة طرابلس لم تكن لتمر دون ردود فعل غاضبة من أطراف ليبية عديدة سارعت إلى انتقاد التعيين والاعتراض على المرشح الفلسطيني. ومن بين أول المعترضين الممثل الليبي الأسبق في الأمم المتحدة إبراهيم الدباشي، وعدد من أعضاء مجلس النواب الليبي فضلا عن الجنرال خليفة حفتر. وذكر مصدر ديبلوماسي ل “رأي” أن حفتر أجرى مكالمة هاتفية مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس طالبا منه أن ينقل لفياض رغبته في اعتذاره عن تولي المنصب، غير أن عباس رد الطلب بلباقة. ولم تتمكن “رأي اليوم” من التأكد من صحة هذه المكالمة، لكنها علمت أن مجموعات من شرق ليبيا -بعضها مقرب من الجنرال حفتر- انضمت إلى المعترضين على فياض وأوصلت رسائل للأمين العام للأمم المتحدة مبدية تحفظاتها على التعيين. وتقول مصادر “رأي اليوم إنه “لا يمكن أن نتصور أن يميل فياض لطرف ليبي على حساب آخر. ولكن تعامله مع الحكومة المعترف بها دوليا عقد قبوله من قبل الأطراف الأخرى في سياق يطغى عليه انعدام الثقة بين الفرقاء الليبيين والريبة حيال الأدوار الخارجية”.

طبول حرب

أغلب التحفظات الليبية خرج إلى العلن قبل أن يستفيق فريق ترامب في الخارجية والبيت الأبيض ويصدر بيانا ناريا من واشنطن اكتفت الممثلة الأمريكية الدائمة لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي بالتوقيع عليه في نيويورك. وأرجعت مصادرنا أسباب نزول البيان إلى “عدم علم الإدارة الجديدة وهايلي نفسها بموضوع تسمية فياض إلا بعد الرسالة الرسمية التي بعث بها غوتيريش إلى أعضاء مجلس الأمن. رسالة تقوم على افتراض أن الأمريكيين على علم بالتسمية مادام فيلتمان هو نفسه من يقف وراءها”. لكن فيلتمان المحسوب على إدارة أوباما احتفظ بالأمر لنفسه بسبب حسابات  تتعلق بمستقبله في الأمم المتحدة.

وقد احتاج الأمريكيون لإيجاد شماعة يعلقون عليها أسباب غفلتهم التي ساهم فيها أحد أكبر ديبلوماسييهم فلم يجدوا إلا جنسية فياض الفلسطينية للاعتراض عليها وربطها بما تعتبره الإدارة الجديدة انحيازا من الأمم الأمم المتحدة ضد إسرائيل. وقد تفاجأ الجميع بردة الفعل “الترامبية” وفي مقدمتهم غوتيريش الذي لم يستسغ هذه المعارضة العلنية لواحد من أول تعييناته السياسية. فأصدر بيانا يدافع فيه عن فياض ويعتبره الشخص المناسب للمنصب قبل أن يَعِد في المقابل بتعيين شخصية إسرائيلية في منصب سام ل “تصحيح حيف تاريخي” حسب تعبير الناطق باسمه ستيفان دوجاريك. واعتبرت مصادرنا رد غوتيرش بمثابة “ هروب إلى الأمام” واستحداث ل “مساومة سياسية لا تملك أي حظ للنجاح. فالأمريكون ومن ورائهم اللوبيات الداعمة لإسرائيل لن تقبل بالمساواة بين فلسطين وإسرائيل حتى وإن قبلت بفياض كشخص، وهذا سيدفع غوتيريش إما للتخلي عن مرشحه أو تقديم مزيد من التنازلات إن هو أصر على تعيينه. وفي جميع الأحوال وضع شخصا بقيمة فياض في وضع لا يحسد عليه”.

ردة فعل غوتيريش لم تتوقف عند هذا الحد، فبعد بيان التشبث بفياض أصدر بيانا ثانيا يعلن فيه التمديد لفيلتمان لسنة جديدة على رأس منصبه، وذلك في خطوة معاكسة لرغبة إدارة ترامب التي كانت تتوقع رحيل مواطنها بنهاية شهر مارس وسمت ديبلوماسيا جمهوريا لتعويضه. واعتبرت مصادرنا هذا الأمر بمثابة “الشرارة الأولى لحرب قادمة تخطط إدارة ترامب لشنها على منظومة الأمم المتحدة سيكون التمويل عصبها الرئيس. حيث ينوي ترامب وصقوره وضع تهديدهم بحجب جزء مهم من التمويل الأمريكي عن المنظمة الدولية حيز التنفيذ”. وتمول واشنطن 22 بالمئة من الميزانية العادية للأمم المتحدة و29 بالمئة من موازنة مهام حفظ السلام. ما يعني أن أياما عصيبة تنتظر غوتيريش وعددا من وكالات الأمم المتحدة ، خاصة تلك العاملة في المجال الإنساني.