أنور م سليمان: المتأمرون: ﻻ وجود للمؤتمر الشعبي والمؤتمرين الوطني والسوداني وجهان لعملة واحدة

anwar-souliman-newwww-300x300-300x300

أنور م سليمان

    في السودان ثمة ثلاثة احزب تحمل مسمي “مؤتمر”  كجزء من لافتاتها الرئيسية هي المؤتمر الوطني الحاكم و المؤتمر الشعبي المنقسم عنه و المؤتمر السوداني المتطلع للعب دور المعارض الاول.. تلك الاحزاب الثلاثة “المتأمرة” هي التي يسيطر خطابها حاليا علي المشهد السياسي.

   المؤتمرين الوطني والشعبي صنعا وعبرا عن الخطاب الرسمي للدولة طيلة عقد التسعينات و حتي بعد الاختلاف بين الرئيس البشير وللشيخ الترابي استمر المؤتمر الوطني في تمثيل الخطاب الرسمي السائد في اجهزة الدولة المعبر عنها سياسيا واعلاميا، اما الشعبي فقد طفق يبحث عن خطاب مغاير وبرغم اشتراكه مع الوطني في جذور الخطاب والارضية “الاسلامية” الا انه سعي ليميز خطابه جهويا وعرقيا متأثرا بخطاب “المؤتمر السوداني”؛ ذاك الخطاب الذي اضحي القاسم المشترك لموقف كل الاحزاب و الحركات السياسية و الجهوية التي تعتمد حمل السلاح كوسيلة لتحقيق اهدافها “من الجيش الشعبي في جنوب السودان الي قطاع الشمال في جنوب كردفان والنيل الازرق وحركات دارفور والشرق..

   المؤتمر الوطني لا يمثل عرق محدد او اقليم بعينه و لكن العلاقات بين مراكز القوة والنفوذ داخله (لا سيما بعد مفاصلة 1999م) أخذت تتحدد بالاعتبارات العرقية والعنصرية “الدين اضحي في زيل الاولويات”، وهذا امر غير مفصح ولا مصرح به ولكن مفهوم ومعتمد لدي عضويته.

   بينما نجد ان المؤتمر السوداني يتطوع ليعلن ما يخجل الوطني عن اعلانه؛

   المؤتمر السوداني حزب صغير من حيث العضوية ومن حيث التأثير والنفوذ المباشر لكن من حيث التأثير غير المباشر فان دوره في مسرح السياسة السوداني لا يقل عن دور الحزب الحاكم “المؤتمر الوطني”؛ وليس له “المؤتمر السوداني” تاريخ واضح ولا برنامج سياسي معروف انما نتف من سيرة اشخاص “القاضي عبد المجيد امام ورجل المال والاعمال ابراهيم الشيخ والاكاديمي محمد هاشم جلال و الروائي ابكر آدم اسماعيل” و تيارات “الطلاب المستقلين”.. الخ.

   يمثل د. محمد جلال هاشم والطبيب ابكر ادم اسماعيل دعامات البناء النظري للمؤتمر السوداني باطروحاتهما “منهج التحليل الثقافي و جدل المركز والهامش”.

   تلك الاطروحات ملخصها ان الصراع الدائر الان مرجعيته ثقافية وان الاصطفاف هو بين ذوي الانتماء العربي وحملة الثقافة الاسلامية ذات البعد العربي طبعا /الوافدة، من جهة و من الاخري ذوي الانتماء الافريقي /المحلية!! وتتفق معها نظرية صراع المركز والهامش إذ صدف وان اغلب ساكني المركز/الوسط هم من الناطقين بالعربية كلغة وحيدة بينما اغلب ساكني الهامش / الاطراف هم الناطقين باللغات المحلية كلغة اولي!

   علي هذه الافتراضات الفجة تقوم فكرة الحزب اذ تركت كل الاسس الفكرية والايدولوجية التي يعتمد عليها التيار الاسلامي الحاكم بلا نقد ” ربما لخشية نقد الخطاب السياسي الاسلامي لما قد يجره مثل ذلك النقد من تهم التكفير ..الخ” و تولت لنقد المجموعة السكانية التي تصفها في خطابها بـ(الاسلاموعروبيين) في اشارة الي المجموعة ذات اللسان العربي والثقافة الاسلامية؛ وهذا خطاب خاسر بكل المقاييس لأن لا خطاب سياسي يمكن ان يتأسس علي نقد ثقافة (دين ولغة) مجموعة سكانية علاوة علي ان الشعب السوداني برمته وان لم يكن عربيا الا انه وبحكم طبيعته المتيدنة والبيئة الاسلامية فيه لا يتقبل مثل هذا الخطاب،

  علي هذا الخطاب الناقد بنت كل الحركات المسلحة خطابها بما في ذلك الحركة الشعبية التي انتهي “كفاحها” بفصل الجنوب، وأثرت تلك الفرضيات علي خطاب الاحزاب السياسية العتيدة يسارية كانت او يمينية وتسيد الساحة تماما منذ بداية تسعينيات القرن الماضي..

   اليوم تعتمد الحركة الشعبية – قطاع الشمال علي هذا الخطاب وعلي ارث الحركة الأم “الجنوبية”، كما تعتمد عليه الحركات المسلحة التي تنشط باقليم دارفور والتي أخذت تتحدث صراحة حاليا عن الانفصال و الاستقلال…

   لا أدري كيف ينظر قادة المؤتمر الوطني وجهاز امنه لهذا الخطاب لكن لو كنت مسؤلا   فيه فإنني سأدعم واتبني هذا الخطاب “من طرف خفي بالتأكيد” لسبب هو ان هذا الخطاب يسهم في تزييف الصراع فالمتسلطين لا يمثلون جهة جغرافية و لا ثقافة ما و لا دين ايضا انما يمثلون انفسهم ومصالحهم الضيقة ..  لذا ربما ليس مصادفة ان احد وزراء المؤتمر الوطني هو ممن تم زرعهم في مؤتمر المستقلين “الجناح الطلابي للمؤتمر السوداني” و لا يستبعد ان يكون هناك وجود لكوادر اخري تم زرعها او استقطابها من بين قياداته.

ان ذاك الخطاب “خطاب حزب المؤتمر السوداني” يسهم في تقسيم المتضررين من السلطة وتقسيم ضحاياها بدلا عن ان يوحدهم “وهو المفترض في الخطاب السياسي المعارض الرشيد”.. لذا فهو خطاب يصب في خانة خدمة المؤتمر الوطني الحاكم.